الشيخ مقداد الربيعي
من أجلى خصائص ليلة القدر وأبرز ما تتميز به من بين سائر الليالي أنها الليلة التي اختارها الله تعالى ظرفاً لنزول القرآن الكريم، هذا الكتاب العظيم الذي جعله هدىً للناس ونوراً يهتدون به في ظلمات الحياة. يقول سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، ويُحدد تعالى تلك الليلة المباركة بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، ثم يُجلي الغموض بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).
غير أن هذه الحقيقة القرآنية تواجهنا بتساؤل جدير بالتأمل والبحث، إذ كيف يُقال إن القرآن نزل في ليلة واحدة، في حين أن المعلوم من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي أن القرآن الكريم نزل مُنجَّماً على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، هي عمر الدعوة النبوية الشريفة؟ بل إن القرآن ذاته يُصرّح بهذا التدرج في النزول، إذ يقول تبارك وتعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا).
نزولان لا نزول واحد.. مفتاح حل الإشكال
والجواب الذي يُرشد إليه التدبر في آيات الكتاب العزيز أن للقرآن الكريم نزولين اثنين لا نزولاً واحداً: أولهما نزول دفعي إجمالي على قلب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وهو الذي وقع في ليلة القدر المباركة. وثانيهما نزول تدريجي تفصيلي امتد على مدار ثلاثة وعشرين عاماً تبعاً لمقتضيات الدعوة وحوادث الرسالة.
والقرآن الكريم نفسه يُرشد إلى هذا التمييز عبر دلالة لفظية لطيفة، إذ يستخدم مادة «الإنزال» للتعبير عن النزول الدفعي الإجمالي، كما في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)، وقوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ). في حين يستخدم مادة «التنزيل» بصيغتها الدالة على التدرج للتعبير عن النزول التفصيلي التدريجي، كما في قوله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا)، وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا).
سرّ الفرق بين النزولين.. مراتب الوجود القرآني
بيد أن هذا الجواب يُفضي بنا إلى سؤال أعمق وأدق: هل القرآن الكريم الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة القدر كان بنفس صورته التي بين أيدينا اليوم، مُقسَّماً إلى سور وآيات؟
والجواب أن ذلك لم يكن كذلك، وأن للقرآن مرتبة وجودية سامية تختلف عن مرتبته في الوجود المادي المقسَّم. وهذا الأمر في حقيقته لا يقتصر على القرآن وحده، بل يشمل كل المخلوقات، إذ تُرشد إليه آية قرآنية جامعة تمثّل مفتاحاً لفهم هذا الباب من أبواب المعرفة القرآنية، وهي قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، فهذه الآية الكريمة صريحة في أن لكل موجود خزائن عند الله تعالى، وأنه حين ينزل من تلك الخزائن تلحقه يد التقدير والتحديد، مما يُفيد بوضوح أن ذلك الشيء حين كان في الخزائن كان مبرأً من هذه الحدود والتقسيمات. ويُعضد هذا المعنى قوله تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ)، إذ ما كان عند الله فهو باق غير محدود.
وخلاصة هذا المبدأ أن لكل موجود مراتب وجودية متعددة، كلما هبط من مرتبة إلى ما دونها أحاطت به قيود الحد والتقدير. وعلى هذا الأساس المعرفي نفهم سرّ نزول القرآن في ليلة القدر، فالقرآن الذي حمله الروح الأمين إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الليلة المباركة كان في مرتبة وجودية أرفع وأسمى من مرتبته المادية التي بين أيدينا، فهو بمرتبته الدنيا كتاب مطبوع مُقسَّم إلى سور وآيات وكلمات، أما بمرتبته العليا فهو محكم غير مُجزَّأ ولا مُفصَّل.
وقد أشارت إلى هذا المعنى الرفيع آيات كريمة عدة، منها قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، فالإحكام في الآية في مقابل التفصيل، أي أن القرآن كان أولاً كتاباً محكماً غير مُقسَّم ثم عرض عليه التفصيل والتجزئة. ومنها قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فهي تحكي أن هذا القرآن الذي بين أيدينا هو تفصيل لكتاب آخر عند الله. ومنها قوله عز من قائل: (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)، فهي تحكي أن الله تعالى جعل ذلك الكتاب العلي الحكيم قرآناً عربياً بعد أن كان عالياً عن مدارك البشر محكماً لا أجزاء له. ومنها قوله تبارك وتعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، وهي تُخبر عن قرآن في عالم الغيب مكنون لا يبلغه إلا المطهرون من أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم. وفي السياق ذاته يقول تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).
ثمرة هذا الفهم في تفسير آيات النبوة
وبهذا الفهم لمراتب الوجود القرآني تنكشف لنا دلالة آيات كانت تبدو مستغلقة، من أبرزها قوله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، وقوله عز من قائل: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ). ففي هاتين الآيتين الكريمتين يأمر الله تعالى نبيه الكريم ألا يُحرك لسانه بآيات القرآن قبل أن يأذن له بذلك، وهذا النهي عن الاستعجال لا يستقيم إلا إذا كانت تلك الآيات قد نزلت على قلبه الشريف من قبل في النزول الإجمالي الأول، وأنه صلى الله عليه وآله كان مطلعاً عليها ومحيطاً بها، فيُنهى عن الاستعجال بتلاوتها قبل أن تنزل عليه مرة ثانية بالنزول التدريجي التفصيلي في وقته المقدَّر.