الشيخ مقداد الربيعي
في تبرير لمنطق القوة على حساب الأخلاق، اقتبس رئيس وزراء العدو الصهيوني عبارة المؤرخ الأمريكي الشهير ويل ديورانت في كتابه "دروس التاريخ" عندما قال: التاريخ يثبت أن المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان. الأمر الذي أثار موجة من الاستهجان الدولي.
وقال نتنياهو في نفس المقابلة التلفزيونية: «في هذا العالم لا يكفي أن تكون أخلاقياً، ولا يكفي أن تكون عادلاً، ولا يكفي أن تكون على حق».
ومضى قائلاً: «إذا نظرت الى العالم كما هو اليوم، يجب أن تكون أعمى حتى لا ترى أن الديمقراطيات بقيادة الولايات المتحدة يجب أن تعيد فرض إرادتها للدفاع عن نفسها».
أنا هنا لا أريد أن أُظهر الوحش أكثر وحشية، ولكني أتسائل: ألا يعد هذا الكلام تبريراً صريحاً لكلام الجرائم على مدى التأريخ؟!
ألا يعد تبريراً لحرق هتلر لليهود أبان الحرب العالمية الثانية؟!
فبحسب هذا المنطق وهو عدم تقييد القوة بالعدل وبالقيم الأخلاقية، لابد أن نعطي الحق لكل من يرى تحقق سلام شعبه ـ من وجهة نظره ـ يتوقف على قتل شعوب بأكملها. قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (فاطر: 8)، وقال ايضاً: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 11-12).
وبحسب هذا المنطق لابد من إعطاء الحق لكل من يمتلك القوة في سحق الضعيف ويكفي تبرير ذلك بحجة بسيطة ولو كانت كاذبة، كإنقاذ الأراضي المقدسة، في الحروب الصليبية او تمدين الأعراق المتدنية ونحو ذلك، واليك بعض الشواهد:
فقد جاء في كتاب وجوه الهيمنة للكاتب ضرغام الكَيار:
«عندما أطلق البابا أوربان الثاني شرارة الحروب الصليبية الأولى عام 1095م في مجمع كليرمون، حشد الجيوش الغربية تحت شعار أن استعباد وقتل المسلمين في الشرق هو "إرادة الرب" (Deus vult) لإنقاذ الأراضي المقدسة من "الهمج".
بعد مرور ثمانية قرون، وتحديداً في عام 1885م، وقف رئيس الوزراء الفرنسي العلماني "جول فيري" أمام الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) ليبرر الغزو الاستعماري لآسيا وأفريقيا، قائلاً بوضوح صادم: «يجب أن نقول بصراحة إن للأعراق العليا حقوقاً على الأعراق الدنيا... لأن عليها واجباً، وهو واجب تمدين هذه الأعراق».
لقد اختفى الصليب من الخطاب، وحلّت مكانه مفاهيم "التنوير" و"التقدم"، لكن النتيجة على الأرض كانت واحدة: مذابح، ونهب للثروات، واستعباد للآخر بحجة الارتقاء به. هذا ما أطلق عليه الشاعر الإنجليزي روديارد كبلنغ لاحقاً اسم "عبء الرجل الأبيض."
إن التناقض الأكثر رعباً في العقل الغربي هو قدرته الفائقة على ممارسة أقصى درجات التوحش تحت أغطية إنسانية وعلمية مبهرة. ولعلّ أوضح تجلٍّ تاريخي لهذا النفاق هو قصة الملك ليوبولد الثاني، ملك بلجيكا.
في أواخر القرن التاسع عشر، أسّس ليوبولد ما أسماه "الرابطة الدولية الإفريقية"، وهي منظمة ادّعت أن هدفها "علمي وإنساني" بحت، ويهدف إلى محاربة تجارة الرقيق العربي في وسط إفريقيا، وإدخال الحضارة والتجارة الحرة إلى حوض نهر الكونغو. صدّق العالم الغربي (أو تظاهر بالتصديق) هذه السردية الليبرالية الإنسانية.
وماذا كانت النتيجة؟ حوّل ليوبولد الكونغو إلى مزرعة مطاط شخصية، وأسّس نظاماً استعبادياً يُعتبر من أبشع ما عرفته البشرية. تضمنت طقوس هذا "التمدين العلماني" قطع أيادي الأطفال والنساء إذا لم يحقق آباؤهم حصة المطاط المطلوبة. وقد وُثّقت هذه الممارسات بصور فوتوغرافية مروّعة التقطها مبشرون مسيحيون بروتستانت كانوا شهوداً على المجازر.
تشير الإحصائيات التاريخية الموثقة إلى أن "المهمة الإنسانية" البلجيكية أدت إلى إبادة ما يقارب 10 ملايين إنسان كونغولي (نصف عدد السكان آنذاك) بين عامي 1885 و1908. وبالإضافة إلى القتل المباشر، نهب ليوبولد من الكونغو ما يعادل 220 مليون فرنك ذهبي سنوياً — وهو ما يعادل اليوم مليارات الدولارات — لتمويل قصوره ومشاريعه الشخصية في بلجيكا¹⁶.
وتتعاظم المأساة حين نعرف أن ليوبولد تمكّن من إقناع المؤتمر الدولي في برلين (1884-1885) بمنحه السيادة الشخصية على الكونغو تحت غطاء "التمدين والتجارة الحرة"، وهو ما يكشف أن المنظومة الدولية ذاتها كانت متواطئة في تبرير الإبادة باسم "قيم التنوير.»" وجوه الهيمنة بين صليبية السياسة وليبرالية الثقافة.