رجوع
القرآن بين الشكوى والمسؤولية: قراءة في معنى هجر القرآن وطرائق استدراكه

القرآن بين الشكوى والمسؤولية: قراءة في معنى هجر القرآن وطرائق استدراكه



الشيخ مصطفى الحجري


لم يأتِ في القرآن مشهد أشد إيلاماً لأهل الإيمان من تلك الشكوى التي نقلها الله تعالى على لسان نبيّه الأكرم: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: 30].


صحيح أن الآية وردت في سياق حديثها عن إعراض المشركين، غير أنّ دلالتها لا تنحصر في زمنٍ دون زمن، ولا في قومٍ دون قوم. فهي مرآة يَعرِضُ فيها كلُّ جيلٍ حاله على كتاب ربّه: هل نحن من أهل القرآن، أم من المتخفّفين من تبعاته؟


الهجر في اللغة هو الترك، لكنه في منطق القرآن أوسع من أن يكون مجرّد إغلاق مصحف أو انقطاع عن تلاوة. قد يحمل الإنسان المصحف في يده، ويزيّن صوته بقراءته، ومع ذلك يكون — من حيث لا يدري — واقعاً في نوعٍ من الهجر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة مع القرآن: ما موقعه في تشكيل فكرنا؟ وفي توجيه سلوكنا؟ وفي إحياء قلوبنا؟


القرآن ليس نصاً يُستحضر في المناسبات، بل هو مشروع بناء متكامل للإنسان. ويمكن أن نلحظ حضوره في حياة المسلم عبر ثلاث دوائر كبرى:


أولاً. دائرة الرؤية والفهم: القرآن هو المصدر الذي يحدّد للإنسان موقعه في هذا الوجود، ويعرّفه بربّه، وبحقيقة الحياة، وبمصيره. فمنه تنبثق العقيدة، وبه تتكوّن الرؤية الكونية.

فإذا استقى المسلم تصوّراته الكبرى من غير هذا المعين، أو جعل مرجعيات فكرية تتقدّم على مرجعية الوحي، فقد أحدث صدعاً في مركز البناء، وكان ذلك لوناً من ألوان الهجر — بل من أشدها أثراً.


ثانياً. دائرة السلوك والعمل: ليس القرآن كتاب مواعظ نظرية، بل كتاب هداية عملية. إنه ينظّم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالناس من حوله. وقد تجسّد هذا المعنى بأبهى صورة في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


فحيثما وُجد تناقض بين ما نتلوه بألسنتنا وما تمارسه جوارحنا، فإن الفجوة بين النص والحياة تتّسع، ويبدأ الهجر العملي في التسلّل إلينا.


ثالثاً. دائرة القلب والوجدان: الإنسان ليس عقلاً مجرّداً، بل قلبٌ يخاف ويرجو ويشتاق. والقرآن يخاطب هذه الأعماق. قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].


وصف الإمام علي عليه السلام حال المتقين بأنهم إذا مرّوا بآية فيها ترغيب تطلّعت إليها نفوسهم شوقاً، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بقلوبهم كأن زفير جهنم بين آذانهم. إنها علاقة تفاعل حي، لا مجرد ألفاظ تتردّد.


صور الهجر: من الظاهر إلى الخفي:

الهجر ليس درجة واحدة، بل طبقات تتفاوت خطراً وخفاءً.

أولاً: الانقطاع الظاهر: وهو أن ينقطع الإنسان عن التلاوة والسماع، فلا يكون بينه وبين القرآن صلة تُذكر. وهذه الصورة واضحة المعالم، لكنها ليست أعمقها أثراً.


ثانياً: الانفصال في المرجعية: وهو أن يبقى القرآن في الرفوف، بينما تُبنى المواقف والتصوّرات على أسس لا تنسجم مع هديه. حين تُستورد الرؤى في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد دون وزنها بميزان الوحي، فإننا نمارس شكلاً من الإعراض غير المعلن.


ثالثاً: التناقض السلوكي: قد يكثر المرء من القراءة، لكنه لا يسمح للآيات أن تتجاوز حنجرته. وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الحالة بقوله: «يقرأون القرآن لا يجوز تراقيهم».

أي أنّ الكلمات تبقى عند حدود الصوت، فلا تنفذ إلى القلب، ولا تتحوّل إلى سلوك. هنا يصبح القرآن حاضراً في الصوت، غائباً في الواقع.


رابعاً: التلاوة بلا تدبّر: وهذا من أدقّ أشكال الهجر وأخفاها. فقد يظنّ الإنسان أن كثرة الختمات دليل القرب، بينما العبرة بمدى الوعي بما يُقرأ. يقول تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24].


التدبّر هو مفتاح الانتقال من القراءة الصوتية إلى القراءة التحويلية. ولهذا كانت قراءة عشر آيات بوعيٍ وتأملٍ أعمق أثراً من صفحاتٍ تُقرأ بلا حضور قلب.


وفي السياق ذاته جاء التحذير من الانشغال بالشكل على حساب الجوهر، ففي الحديث عن موسى بن جعفر عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من انهمك في طلب النحو سُلِب الخشوع».

ليس المقصود ذمّ العلم، وإنما التنبيه إلى أن يتحوّل الوسيلة إلى غاية، فيُفقد النص روحه لحساب تفاصيله الشكلية.

نحو استعادة العلاقة الحيّة


إن علاج الهجر لا يكون بكثرة التلاوة فحسب، بل بإعادة ترتيب موقع القرآن في حياتنا:


ـ أن نجعله المرجع الأعلى في تشكيل أفكارنا.

ـ أن نزن به سلوكنا اليومي قبل أن نزن به غيرنا.

ـ أن نقرأه قراءة سؤال وبحث، لا قراءة عادة وتكرار.

ـ أن نصغي إليه وكأنه يخاطبنا نحن، لا أناساً مضوا.


فالقرآن لا يشكو من قلة الألسن التي تتلوه، بقدر ما يشكو من قلة القلوب التي تفتح له أبوابها. وبين التلاوة والتأثر مسافة يقطعها التدبّر، وبين المعرفة والتحوّل جسر اسمه الامتثال.

ومن هنا يبدأ الانتقال من "مهجور" إلى "مُعاش"، ومن كتاب يُتلى إلى كتاب يُبنى به الإنسان والحياة.


حين يُختزل القرآن في مشاهد الوداع

من المظاهر المؤسفة أن يُحاصر القرآن في أجواء العزاء، ويُستدعى غالباً في لحظات الفقد دون غيرها، حتى ترسّخ في أذهان بعض الناس أن صوته لا يرتفع إلا إيذاناً برحيل إنسان. فإذا انبعثت تلاوة في بيت أو مسجد، سارع بعضهم بالسؤال: هل توفّي أحد؟ وكأن القرآن لا يُقرأ إلا على أعتاب القبور.


غير أن القرآن قد عرّف نفسه تعريفاً مختلفاً تماماً، فهو كتاب إحياء قبل أن يكون كتاب تأبين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال: 24].


إنها دعوة إلى حياة القلوب والعقول والمجتمعات. فمن حوّل القرآن إلى طقسٍ جنائزيٍّ محض، وأقصاه عن ميادين البناء اليومي والتوجيه العملي، فقد أبعده عن ساحته الطبيعية، وجرّده من رسالته في إحياء النفوس وصناعة الوعي.


إذا عدنا إلى البدايات الأولى لرسالة الإسلام، وجدنا القرآن ينزل على قلوب قاسية فيقلبها، وعلى نفوسٍ مغلقة فيفتح مغاليقها. كانت الآية الواحدة تهزّ الكيان، وتُحدث انقلاباً كاملاً في المسار.


وتحدّثنا السيرة أن رجلاً قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعلّمه من القرآن، فلما سمع قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7-8]، قال: حسبُـي هذا، ثم انصرف. فعلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «انصرف الرجل وهو فقيه».


لقد أدرك من آيتين ميزان الحياة كلّه: مسؤولية العمل، ودقة الحساب، وشمول العدل الإلهي. هذا هو الفقه الذي يصنعه القرآن حين يُستقبل بقلبٍ متيقظ.


أما في واقع كثيرين اليوم، فقد ضعفت قابلية التأثر، فصار التلاوة عادة صوتية لا تتجاوز حدود الحناجر. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الحال حين وصف أقواماً: «يقرأون القرآن لا يجوز تراقيهم»، أي أن أثره لا ينفذ إلى الداخل ليهذّب، ولا يخرج إلى الخارج ليغيّر السلوك. إنها أزمة قلب قبل أن تكون أزمة لسان.


كيف نغادر دائرة الهجر؟


التحرر من الهجر لا يتحقق بكثرة الختمات وحدها، ولا بمجرد الاعتزاز بالحفظ والإتقان، بل بإعادة بناء العلاقة مع القرآن على أسس متكاملة:


أولاً: تلاوة تتجاوز الصوت: المطلوب تلاوة يقظة، يقف القارئ عند آياتها، يسائلها وتسائله، يتأمل إشاراتها، ويستخرج هداياتها. ليست العبرة بسرعة الإنجاز، بل بعمق التفاعل.


ثانياً: تأسيس الرؤية على الوحي: أن يكون القرآن هو المنطلق الأول في تشكيل التصورات العقدية والفكرية، وأن تُوزن به المواقف والآراء، فلا يُجعل تابعاً لمرجعيات تتقدّم عليه أو تناقضه.


ثالثاً: تحويل المعنى إلى سلوك: أن يُترجم القرآن إلى أخلاق وعلاقات ومواقف. وأن يسعى المؤمن لأن يقترب من النموذج الذي تجسّد في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي قيل في وصفه: "كان خلقه القرآن". فهذه الشهادة تختصر المنهج كلّه.


إن هجر القرآن ليس حالة واحدة بسيطة، بل شبكة من الصور الظاهرة والخفية، تبدأ بالانقطاع الصريح، ولا تنتهي عند القراءة الشكلية أو اختزاله في مناسبات الحزن. وأشدّ أنواعه خطراً ذلك الذي يلبس ثوب القرب، بينما هو في حقيقته بعدٌ عن روح الكتاب ومقصده.


والخلاص من هذا الداء رهين بإعادة القرآن إلى مركز الحياة: مرجعاً للعقيدة، وميزاناً للسلوك، ونوراً للقلب. عندئذٍ يعود كما أراده الله: باعثاً للحياة في النفوس، ومحركاً للنهضة في الأمة، لا صوتاً يُستدعى في لحظات الوداع فحسب، بل منهجاً يُصاحب الإنسان في كل تفاصيل وجوده.


مشاركة: