خلق الله الإنسان، وخلقَ كلّ شيء
لخدمته ومن أجلِ رفاهيته، ثم ألهمه الانتفاع من كل ما خَلق علىٰ
أتم وجه؛ فتراه وفي أولى لحظاتِ حياته متشبثًا بصدر أمهِ، باحثًا
عن ما يسدُ رمقه، وهكذا في كل لحظات حياته، وهذا الكون مسخّر ما
فيهِ لأجلنا نحن البشر وفيهِ من كل الخيرات ما يفي بالعيش الرغيد
لكل فردٍ على هذهِ الأرض.
وفي واقع الأمر كان يجب أن لا
يوجد شيء اسمه فقر بين المسلمين وذلك لأن الدين الإسلامي قد شدّد
علىٰ قوانين من شأنها أن تمحو الفقر من العالم ككل ونذكر منها
علىٰ نحو الإجمال:
1.
تأكيده علىٰ أمر
الزكاة:
عُدت الزّكاة في الإسلام من فروع
الدين وهي الركن الخامس؛ وقد ذُكرت في القرآن بنحو (٥٩) آية من
(٢٩) سورة، وفي الروايات ما يقارب الألفي رواية، وعُرفت الزكاة
لغةً بأنها النمو، والطهارة، والصلاح؛ أما اصطلاحا فقد ذكرها
الشيخ الأعظم الأنصاري في كتابه الزكاة بأنها: قدر مخصوص يطلب
إخراجه من المال بشروط مخصوصة.
وقد ذُكر أن من ضمن آثارها أنها
تزيد في الرزق، وأن أداء الزكاة لا يأتي بالفقر، وأنها امتحان
للأغنياء وعون للفقراء وأنها علاج للبخل، ومحاربة الفقر..
إلخ.
2.
تأكيده علىٰ
الخُمس:
وهو أيضًا من فروع الدين التي أمر
بها الإسلام، قال الله سبحانه وتعالى: ((واعلموا أنما غنمتم من
شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم
التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير))(سورة الأنفال ـ ٤١)، وهذه
الآية تشير إلىٰ حكم عام وهو وجوب الخمس علىٰ كل مسلم حازَ علىٰ
غنيمةٍ ما سواء في الحرب أو في غيره، ويعد تشريع الخمس صورة لطيفة
تعكس مدى اهتمام الإسلام بالمساواة والمشاركة بين أفراد
المسلمين.
3.
التكافل
الاجتماعي:
وهو من العوامل المهمة لمكافحة
الفقر إضافة لكونه عامل استقرار اجتماعي، فالتكافل يعني أن أفراد
المجتمع متكاتفون معا لدفع المفاسد والشرور؛ والمحافظة على الصالح
العام؛ وفيه يستشعر كل فرد أن عليه واجبات تجاه الآخرين؛ كما أن
له حقوق، وقد جاء عن النبي الأكرم صلى اللّٰه عليه وآلهِ قوله:
"ليس بمؤمن من باتَ شبعانًا وجاره جائع"، ومثل هذا الحديث وأشباهه
ما يقّض مضاجع المُنصفين! بل مُجرد الالتفات إلىٰ هذا الأمر فهو
أمر فطري لأن الضمير الحي لا يطمئن إلا حين يرى من حوله مُنعّمون
مثله.
4.
الصدقة:
وهي من السنن التي حثّ عليها
الإسلام فإضافة لكونها تضمن بعض الحق للفقراء؛ فهي في الوقت ذاته
تعود بالنفع علىٰ المجتمع بأكمله؛ فربما تنعكس الظروف ويستفيد من
الصدقة نفس الذي كان يتصدق سابقًا حين تشيع هذه السُنة في
المجتمعات.
وتعد الصدقة أيضًا عاملًا غيبيًا
للرزق لذا وردَ عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن الصدقة تزيد
صاحبها كثرة، فتصدقوا يرحمكم الله".
5.
الأوقاف:
وهو من أروع الصور التي جاء بها
الإسلام؛ وتعني حبس العين عن تمليكها لأحد وتسبيل منفعتها لصالح
المحتاجين كالفقراء والأيتام والمساكين والأرامل والمرضى
والمُسنين.. إلخ، وهذا ما ورد عن الرسول الأكرم صلى اللّٰه عليه
وآلهِ: "احبس أصلها وسبل ثمرتها".
ولنا أن نتصور الطفرة التي ستحصل
في المجتمعات وانعدام الفقر بصورة كبيرة لو أن الأغنياء وأصحاب
الأملاك عملوا بهذهِ السُنة.
٦.
حق
الملكية:
ويعني أن الأرض وما فيها من موارد
ومعادن ومواد طبيعية وما عليها من حجر وشجر ومَدر؛ خلقت لصالح كل
إنسان علىٰ وجه البسيطة، وله حق فيها؛ ولا يحق لأحد ـ مهما كان ـ
سلبه هذه الحق؛ ولا تقنينه بأي شكل من الأشكال.
وأما دور الدولة فهو الإشراف فقط
وليس الاستيلاء فإن مال الأمة للأمة، وقد ورد عن الرسول الأكرم
صلّى الله عليه وآله: "الأرض للّٰه ولِمَن عمّرها"، وكذلك ورد
عنه: "من غرس شجرا أو حفر واديا بدءا لم يسبقه إليه أحد و أحيا
أرضا ميتة فهي له؛ قضاء من الله ورسوله (صلى الله عليه
وآله)".
7.
تحريم
الربا:
جاء في القرآن الكريم: ((يَمحقُ
اللّٰه الرّبا ويُربي الصّدقات))(سورة البقرة ـ٢٧٦).
والربا من المعاملات المحرمة التي
تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا فقد يقع الفقير في أزمة صحية أو
ما شابه فيضطر للاقتراض وفوق صعوبة ارجاع القرض تنهكه الفائدة
المأخوذة علىٰ قرضه؛ فتجعله أكثر فقرا، وكذلك التجار والطبقة
الميسورة يتحولون في الغالب إلىٰ فقراء بسبب الربا؛ فربما يستقرض
التاجر لتوسيع تجارته ثم يجد نفسه غير قادر علىٰ أداء ما استقرضه،
مما يؤدي به إلىٰ زيادة قيمة منتجاتهِ مثلًا أو خفض أجور
العاملين.. وما شابه مما يزيد في ارتفاع الأسعار ومحدودية دخل
العمّال ثم إلىٰ زيادة الفقر في المجتمع؛ لذا فإن الربا يجعل
الأثرياء أشخاص متقاعسين وغير مُنتجين في الواقع سوى أنهم يصاعدون
نسبة ثروتهم بكل سهولة عن طريق الربا.
هذا وتوجد أسباب عديدة أخرى أدت
إلىٰ زيادة الفقر في العالم سواء الإسلامي أو غيره - بالرغم من
وجود هذه الوسائل المكافحة للفقر- ولذا نراه منغمسا في الفقر بسبب
ابتعاد المسلمين عن العمل بهذهِ القوانين والسنن الإلهية التي
تكفل لهم حقوقهم وسعادتهم بلا عناء ومشقّة.
السيد علي قاسم الرضوي