رجوع
وهم الاستقلال وأصل الانحراف الإنساني

وهم الاستقلال وأصل الانحراف الإنساني


الشيخ مصطفى الهجري


(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم: 34.

(وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) الأسراء: 11.

(وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) الأسراء: 67.

(وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) الأسراء: 100.

(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) الكهف: 54.

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب: 72.

(لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) فصلت: 49.

(إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) العاديات: 6 ـ 8.

(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) العصر: 2 ـ 3.


آيات كريمة عديدة، تشترك في بيان حقيقة وطبيعة الإنسان، وأن لو خُلي ونفسه، فإنه مجمع لجميع هذه الرذائل، من الكفر والجحود والبخل والجهل والظلم والطغيان.... 


لكن قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) العلق: 6 ـ 7، يحدد الأصل والأساس لكل الرذائل المذكورة، إنها الغرور الافتتان بالذات، أو ما يعبر عنه بلسان العصر (الانسانوية).


بداية، يتعين علينا التأكيد على أن هذه نزعة الإنسان لتحقيق استقلاله وإطلاق العنان لإرادته هي نزعة قديمة قدم الإنسان، ونحن نجد شواهدها كثيرة في القرآن الكريم، كما في قضية فرعون وقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) النازعات: 24، واستبداده، (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى) غافر: 29، وغرور قارون في قوله (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) القصص: 78. وتمرد بني إسرائيل وغرور قوم عاد بقوتهم وغيرهم كثير.


فالآية الكريمة تؤسس لعلاقة اطراد بين شعور الانسان بالاستغناء عن الله واعتماده الكامل على الأسباب المادية وبين طغيانه وظلمه.

وبالنظر لأسعد العصور العتيقة حظاً بالتوثيق والتحليل، نجد أنفسنا أمام الحقبة اليونانية الكلاسيكية، والتي يتفرس فيها الناظر شواهد أخرى على رغبة الإنسان الجامحة في الاستقلال، وصناعة مصيره باجتهاده وسعيه. يقول المؤرخ الإسكتلندي ويليام كيث تشامبرز غوثري معلقاً على عبارة الفيلسوف اليوناني زينوفانس التي تقول: «الرجال، ومع مرور الوقت وبالحث والتحري سيتعرفون بشكل أفضل». يعلق عليها قائلاً: «إن هذا التأكيد على البحث الشخصي، وعلى الحاجة الى الوقت، يؤرخ لأول بيان في التراث اليوناني الذي بين أيدينا عن فكرة التقدم في الفنون والعلوم، تقدم يعتمد في المقام الأول على جهد الإنسان وليس على المدد الإلهي».


وبقفزة زمنية عشوائية للأمام ـ إذ ليس غرضنا التتبع فضلاً عن الرصد التام ـ وبالتحديد للقرن الثالث عشر الميلادي، يخرج عميد فلاسفة المذهب الإنساني مارسيليو فاسينو ليعلن إن الإنسان لم يعد خليفة الله في أرضه فحسب، وإنما شريكه في العلم والإبداع، وكذلك فعل معاصره جيوفاني بيكو في بيانه الذي وجهه للإنسان على لسان الرب (تنزه الله سبحانه عن ذلك وتعالى علو كبيراً)، وجاء فيه: «أنت، يامن لا تحدك حدود، سوف تقرر بنفسك ما ستكونه نفسك وفق ما تمليه إرادتك الحرة، التي جعلتُك في يديها».


(قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) عبس: 17، ما أقصرها من عبارة وما أعظمها من كلمات، يقول الزمخشري فيها: «ولا ترى أسلوبا أغلظ منه، ولا أخشن مساً، ولا أدل على سخط، ولا أبعد شوطاً في المذمة مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للأئمة على قصر متنه». انتهى.


فالإنسان الباحث عن الاستقلال لا يرى آثار عناية الله وإحاطته بكل شؤون الخلق، فيكون أسير الاعتقاد بانحصار التأثير بالأسباب المادية، من هنا نفهم قوله تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) الإسراء: 83. فمن يحصر التأثير بالسبب ويرى نفسه مالكاً له، يشعر بالغُنية عن غيره، وكذا إذا فقده يصيبه اليأس والقنوط.


بينما المؤمن لا يفقد الأمل حتى بعد فقد الأسباب المادية، فلله تعالى طرقه الغير معتادة والتي لا يتصورها الإنسان، أنظر قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق: 1ـ 3.


وقد عبرت الروايات الشريفة عن النبي وأهل بيته الكرام عليهم السلام عن هذه الغفلة وسمتها بحب الدنيا، وأرجعت اليها جميع المعاصي، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حب الدنيا أصل كل معصية وأول كل ذنب». وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «ما من عمل بعد معرفة الله جل وعز ومعرفة رسوله (صلى الله عليه وآله) أفضل من بغض الدنيا . . . فتشعب من ذلك: حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرئاسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو، والثروة، فصرن سبع خصال، فاجتمعن كلهن في حب الدنيا، فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة». 


 


مشاركة: