6 رمضان 1447 هـ   22 شباط 2026 مـ 1:33 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-02-22   16

هل تتعارض صفة الحب مع صفة الكبرياء – المسيحية نموذجًا


 

الشيخ مصطفى الهجري

 

كتب اللاهوتيون النصارى كثيرًا في صفة الحب الإلهي، والتواضع الربوبي حتى فدى "الآب" البشرية الفاسدة بابنه الإله، إذ أسلمه إلى الموت العنيف على صلبان الروم. غير أنهم وجدوا أنهم أمام ثنائية متناقضة: تواضع الإله بنفسه وموته الخلاصي من جهة، وطلبه من خلقه عبادته، وما يثبته ذلك من علوه وتكبره من

جهة أخرى. وقد أرهقوا أنفسهم في جدليات أكروباتية للتخلص من حقيقة الكبرياء الإلهي. وليس ذلك منهم بعجيب؛ فقد أنزلوا الرب من سماواته، ثم علقوه على الصليب، وأدخلوه القبر، ثم جادلوا عليه بالخروج من القبر قبل أن يرتفع إلى السماء.

 

بينما لا يجد المسلم حرجًا في الجمع بين محبة الله لخلقه، ومحبتهم له، من جهة، وكبريائه – سبحانه – من جهة أخرى. فعن الصادق عليه السلام: " إياكم والعظمة والكبر، فإن الكبر رداء الله عز وجل فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة". وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، الحديث 9. فهو سبحانه متكبر بحق، لعظيم جلاله؛ إذ له –سبحانه – كل شيء، ومحبٌّ بحق، لأنه جاد علينا بحبه، ونحن أدنى قدرًا من هذا الفضل. فالله – سبحانه – متكبر بعدل، ومحب بفضل.

 

ولا يمكن أن ننشئ بين كبريائه وحبه – سبحانه – تضادًا إلا بعد أن (يؤلِّهُ) الإنسانُ الإلهَ. فإذا فعل ذلك ظهر التعارض بين الكبرياء والحب؛ إذ المتكبر في عالم البشر لا يكون محبًّا بصدق، والمحب لا يكون متكبرًا بحق.

 

إن الكبر قبيح بالإنسان لأنه ليس للإنسان فيه حق، وليس لأن الكبر منكر في ذاته؛ فالناس ينكرون على من يمشي بعجب في الأرض أنه لا يفضل الناس بشيء؛ فهو من التراب وإلى التراب، وليس ذلك يسارًا على معنى الربوبية التي استجمعت الكمالات.

 

إن معرفتنا بكبرياء الرب، تزيدنا ثقة فيه، وتوكّلًا عليه، وإدراكًا للحد الفاصل بين الضعف والقوة والفقر والغنى. قال تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون) الحشر: 23.

 

فهو السلام والمتكبر في آنٍ واحد، فسلامه لا يتعارض مع كبره، وإنما السلام والتكبر أثران لكماله، وفي كماله يجد المؤمن راحته وأمله وسكينته. ولا ينشأ التضاد بين الكبرياء والسلام إلا إذا ادعيا في البشر.

 

إننا لن نعرف حقيقة الرب الخالق حتى نعرف مقامه، ولن نعرف مقامه حتى ندرك بحكمة ووعي الفارق بين العبد والبارئ، ولن تستقر في عقولنا حقيقة هذا الوعي حتى نعي أننا لا شيء إلا بالله، بفعله العظيم وجدنا، وإليه راجعون. هو – سبحانه – الذي بيده الأمر كله، ولا حول لنا ولا قوة. وإذا كان الواقع كذلك، وجب الإقرار أنَّ له وحده الكبرياء؛ إذ له العظمة، وأن على البشر الخضوع والطاعة، لأنَّ ذاك مقامهم الذي يليق بهم، وبه يكونون ما هم عليه حقيقة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م