6 رمضان 1447 هـ   22 شباط 2026 مـ 1:31 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-02-22   14

العدالة الإلهية بين اختلاف الظروف وطمأنينة المعنى


 

الشيخ معتصم السيد أحمد

 

كثير من الناس، حتى ممن يؤمنون بعدالة الله إيماناً نظرياً راسخاً، يعيشون في داخلهم قلقاً صامتاً كلما قارنوا حياتهم بحياة غيرهم. ليس لأنهم ينكرون العدل الإلهي، بل لأنهم لم يجدوا بعد الإطار الثقافي والنفسي الذي يفسّر هذا العدل في ظل التفاوت الصارخ بين البشر. فيبقى الإيمان حاضراً في العقل، بينما يبقى السؤال معلّقاً في النفس: لماذا هذه الحياة لي، وتلك الحياة لغيري؟ وكيف يكون العدل حاضراً مع هذا الاختلاف؟

 

هذه الهواجس لا تنبع غالباً من شبهة فكرية صريحة، بل من تجربة إنسانية يومية. من شعور دفين بأن الحياة لم توزَّع بالتساوي، وأن بعض الناس دخلوا السباق متقدمين، بينما دخل آخرون مثقلين بالخسارات منذ البداية. ومن هنا يصبح الحديث عن العدالة الإلهية حديثاً يحتاج إلى مقاربة ثقافية ونفسية عميقة، لا إلى مجرد ردّ جدلي أو جواب عقلي مختصر.

 

أحد أكبر مصادر الاضطراب في فهم العدالة الإلهية هو الخلط بين “العدل” و“التساوي”. الثقافة المعاصرة، المتأثرة بالنماذج القانونية والحقوقية الحديثة، تميل إلى اختزال العدل في فكرة المساواة الشكلية: نفس الفرص، نفس الشروط، نفس الامتيازات. ومع أن هذا المبدأ له وجاهته في تنظيم المجتمعات، إلا أن إسقاطه على الوجود الإنساني بوصفه معياراً مطلقاً للعدالة يولّد توتراً داخلياً دائماً، لأن الواقع نفسه لا يعمل بهذه الطريقة.

 

الحياة ليست نظاماً هندسياً مغلقاً، بل نسيجاً معقداً من الاختلافات. يولد الناس في عائلات مختلفة، وثقافات متباينة، وأزمنة غير متشابهة، وأجساد تحمل درجات متفاوتة من القوة والضعف. وهذه الاختلافات ليست خللاً طارئاً في النظام الكوني، بل هي جزء من بنيته الأساسية. المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف، بل في تفسيره: هل هو علامة ظلم؟ أم هو شرط من شروط المعنى؟

 

من الناحية النفسية، الإنسان يميل بطبيعته إلى المقارنة. يقيس نفسه بالآخرين، لا بما كان عليه هو قبل ذلك. وهذه المقارنة، إذا لم تُضبط بوعي ثقافي عميق، تتحول من أداة فهم إلى مصدر قلق. فبدل أن يسأل الإنسان: ماذا أستطيع أن أفعل بما لدي؟ يبدأ بالسؤال: لماذا ليس لدي ما لدى غيري؟ وهنا يتحول الاختلاف من كونه مجالاً للتكليف إلى كونه سبباً للشعور بالغبن.

 

القرآن – في مقاربته للعدالة – لا يعالج هذا القلق من زاوية المقارنة الخارجية، بل من زاوية المسؤولية الداخلية. لا يطلب من الإنسان أن يفهم نفسه من خلال حياة غيره، بل من خلال موقعه هو في شبكة الوجود. فالقيمة لا تُستمد من كمية ما يملكه الإنسان، بل من كيفية تعاطيه مع ما وُضع بين يديه. بهذا المعنى، العدالة ليست حدثاً خارجياً يُقاس، بل علاقة داخلية تُعاش.

 

ثقافياً، يمكن القول إن العدالة الإلهية تعيد تعريف النجاح والفشل. النجاح ليس أن تكون ظروفك أفضل، والفشل ليس أن تكون ظروفك أصعب. النجاح هو أن تكون صادقاً مع تكليفك، والفشل هو أن تهرب منه. هذه النقلة في المفهوم ترفع عن النفس عبئاً ثقيلاً: عبء مقارنة الذات بمسارات لم تُكتب لها أصلاً.

 

كثير من الاضطراب النفسي المرتبط بسؤال العدالة ناتج عن تصور غير واعٍ مفاده أن الحياة “كان ينبغي” أن تكون على صورة معينة. هذا “كان ينبغي” هو مصدر توتر دائم، لأنه يصطدم بواقع لا يستجيب له. أما حين يفهم الإنسان أن الحياة ليست مسابقة موحّدة، بل مسارات متعددة لكل منها منطقه الداخلي، يبدأ بالتعامل مع واقعه لا بوصفه ظلماً، بل بوصفه ساحة اختبار خاصة به.

 

من هنا نفهم لماذا لا تُقاس العدالة الإلهية بتطابق التجارب، بل بتكافؤ الميزان الأخلاقي. الميزان لا يسأل: هل عشت مثل غيرك؟ بل يسأل: هل كنت أميناً لما عشته؟ هل حوّلت ما لديك – مهما كان محدوداً أو واسعاً – إلى فعل مسؤول؟ هذا الفهم يحرر النفس من عقدة “لماذا أنا؟” ويحوّلها إلى سؤال أعمق: “من أكون في هذا الظرف؟”.

 

على المستوى الثقافي، هذا الفهم يغيّر علاقتنا بالآخرين أيضاً. فبدل أن ننظر إلى الناس من زاوية الامتياز والحرمان، نبدأ بالنظر إليهم من زاوية الأدوار والمسؤوليات. الغني ليس “أفضل” من الفقير، ولا الفقير “أقرب” إلى الله لمجرد فقره. كل واحد يحمل امتحانه الخاص، وكل امتحان له كلفته ومخاطره وفرصه. هذا الوعي يقلل من الحسد، ويخفف من الشعور بالمظلومية، ويعيد بناء التضامن الإنساني على أساس الفهم لا المقارنة.

 

نفسياً، العدالة الإلهية – حين تُفهم بهذا العمق – تمنح الإنسان طمأنينة من نوع خاص. ليست طمأنينة إنكار الألم، ولا تبرير الظلم، بل طمأنينة المعنى. أن يشعر الإنسان أن حياته، بما فيها من نقص أو وفرة، ليست عبثاً ولا خطأ في النظام، بل جزء من مسار له دلالته. هذه الطمأنينة لا تلغي الحزن، لكنها تمنع تحوّله إلى يأس. ولا تلغي الطموح، لكنها تمنع تحوّله إلى سخط.

 

الإنسان لا يحتاج، في العمق، إلى حياة مثالية ليطمئن، بل إلى تفسير عادل لما يعيشه. وحين يغيب هذا التفسير، يتحول الإيمان نفسه إلى عبء نفسي، لأن صاحبه يشعر بتناقض بين ما يؤمن به وما يراه. أما حين تُفهم العدالة الإلهية بوصفها عدالة معنى لا عدالة تماثل، فإن الإيمان يستعيد وظيفته الأصلية: أن يكون مصدر اتزان لا مصدر صراع داخلي.

 

في النهاية، العدالة الإلهية لا تطلب من الإنسان أن يتصالح مع كل ما يحدث، بل أن يفهم موقعه فيه. لا تطلب منه أن يحب الألم، بل أن لا يفسّره بوصفه إهانة إلهية. ولا تطلب منه أن يتخلى عن الأسئلة، بل أن يوجّهها الوجهة الصحيحة. فالسؤال الذي يبني الإنسان ليس: لماذا لم أُعطَ حياة غيري؟ بل: كيف أعيش هذه الحياة بعدل، ووعي، ومسؤولية؟

هنا، فقط، تتحول العدالة الإلهية من فكرة ذهنية إلى قوة ثقافية ونفسية، تُعيد للإنسان ثقته بأن اختلاف الظروف لا ينفي العدل، بل يكشف عن عمقه، وأن الطريق إلى الطمأنينة لا يمر عبر تشابه المصائر، بل عبر صدق الموقف داخل المصير.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م