رجوع
وهم الإله في ميزان النقد: عندما يعجز البيولوجي عن مقاربة الميتافيزيقيا

وهم الإله في ميزان النقد: عندما يعجز البيولوجي عن مقاربة الميتافيزيقيا

الشيخ مصطفى الهجري

يشهد العصر الحديث تداخلاً مستمراً بين المكتشفات العلمية الدقيقة والنقاشات الفلسفية والعقدية الكبرى. ولعل من أبرز الكتب التي حاولت استثمار نظريات العلوم المعاصرة — وفي مقدمتها نظرية التطور البيولوجي — للتدليل على نفي الخالق، كتاب "وهم الإله" لعالم الأحياء الشهير ريتشارد دوكنز. لقد أثار هذا الكتاب جدلاً واسعاً، ولم يكن هذا الجدل محصوراً في الدوائر الدينية فحسب، بل امتد ليشمل الأوساط الأكاديمية والفلسفية البحتة. وقد عبر كثير من المختصين في المجال الفلسفي عن إحباطهم الشديد من ضحالة المعالجة الفلسفية في كتاب "وهم الإله" سواء كان أولئك المختصين متدينين أو ملاحدة. 

إن الإشكال الأساسي لا يكمن في استخدام معطيات العلم، بل في القفزات المنطقية غير المبررة؛ حيث يُصار إلى انتزاع نظريات علمية وتفسيرها فلسفياً بطريقة متعسفة تقود إلى استنتاج عدم الإله، متجاهلين أبسط القواعد المنهجية في الاستدلال الفلسفي والمنطقي.


نقد الفلاسفة والمتخصصين: رؤية نقدية شاملة

لم تقتصر الانتقادات على المعسكر الإيماني، بل انبرى كبار الفلاسفة والمفكرين الملحدين واللاأدريين لتفنيد الطرح الهش لدوكنز. فمثلاً يقول الفيلسوف (آلفن بلانتنغا) والذي وصفته مجلة "التايم" بأنه (الفيلسوف الأمريكي البروتستانتي الرائد في قضية الإله) في نقده لكتاب "وهم الإله" لدوكنز والذي كتبه في مقال نشرته مجلة Books and Culture  في عددها الصادر في مارس/أبريل 2007 (المجلد 13، العدد 2، الصفحة 21): (بالرغم من أن هذا الكتاب في الأساس كتاب فلسفي، فإن دوكنز ليس فيلسوفاً وإنما بيولوجي. ومع وضع هذا في الاعتبار فإن كثيراً من الفلسفة التي يعرضها هنا ضحلة في أحسن أحوالها. يمكنك القول بأن غزواته الفلسفية في أحسن أحوالها بمستوى طالب "سافامور" (تعادل المرحلة الثالثة تقريباً من الجامعة)، ولكن هذا لن يكون عدلاً بالنسبة (للسافامور). في الحقيقة (وبعيداً عن تضخيم موضوع الصف) فإن كثيراً من حججه ستحصل على درجة رسوب في صف فلسفي لمرحلة (السافامور). فإذا أضيف إلى هذا العجرفة، ونغمة أنا أذكى منك الموجودة في الكتاب، فإن الأمر سيكون مزعجاً فعلاً). 

هذا النقد السامق يضع الإصبع على الجرح؛ فالتخصص الأكاديمي يفرض أدوات صارمة لا يمكن تجاوزها بالاعتماد على الشعبوية الفكرية. وفي السياق ذاته، يبرز موقف الفلاسفة الملحدين أنفسهم، مما يؤكد أن الإشكال ليس عقدياً فحسب، بل هو إشكال منهجي ومعرفي بحت. أما الفيلسوف الملحد (توماس نايجل) البروفيسور في جامعة نيويورك فيقول في الكتاب: (الكتاب عبارة عن نقد ساخر غير مستقيم للدين، فلسفة هواة، قصص رعب تاريخية ومعاصرة، تخمينات أنثروبولوجية، وحجج علمية كونية. يريد دوكنز أن يثني المؤمنين ويجريئ الملاحدة).   عنوان المقال: (The Fear of Religion: نُشر المقال في المجلة الأمريكية The New Republic في عددها الصادر في 23 أكتوبر 2006 (الصفحات 25-29).


ولا يقل الفيلسوف الملحد (مايكل روس) حدةً في تقييمه للطرح المنهجي لدوكنز، إذ يقول في نقده لكتاب وهم الإله: (دوكنز وقح في جهله بالفلسفة وعلم اللاهوت، ولا نُغفل أيضاً جهله بتاريخ العلم). ويقول أيضاً: (طريقتهم في التعامل مع وجهات النظر الدينية مثير للشفقة إلى درجة هائلة. ريتشارد دوكنز في وهم الإله سيفشل في أي كورسي يدرس مقدمة لعلم الفلسفة أو الدين. وبفخر ينتقد مجالاً لا يعرف عنه شيئاً. لقد قلت في مكان آخر، لأول مرة في حياتي أشعر بالحزن لأجل الحجة الأنطولوجية). كتب مايكل روس مقالاً نقدياً مطولاً بعنوان:

(Dawkins et al bring us into disrepute)

ونُشر في صحيفة الغارديان (The Guardian) بتاريخ 2 نوفمبر 2009.


أزمة النتائج المحسومة سلفاً في الطرح البيولوجي

إن محاولة تحويل نظرية التطور البيولوجي من إطارها العلمي التجريبي المحدود إلى إيديولوجية إلحادية شاملة تفسر أصل الكون وغايته، تعاني من عوار منطقي خطير. وحول هذه الإشكالية المنهجية، يقول بروفيسور البيولوجيا الملحد (H آلن أور): (أحد أسباب عدم التوسع في سَوْق الحجج في وهم الإله يبدو واضحاً: إذ يظهر أن دوكنز ليس جيداً في ذلك، بالتأكيد يعاني من مشكلات متعددة حين يريد أن يناقش فلسفياً. ومن البدهي تماماً أن لديه عدداً من النتائج المحسومة سلفاً وهو مصمم على الوصول إليها. وبناء على ذلك فدوكنز يستخدم حججاً ضعيفة يرى أنها تصل به إلى تلك النتائج، ويبدو أن الحكم على قوة الأدلة المختلفة تعتمد على النتائج التي تفضي إليها). 


يتبين لنا جلياً أن كتاب "وهم الإله" قد فشل في تقديم طرح فلسفي رصين، وانزلق نحو تبني استنتاج متعسف لا يرتكز إلا على مقدمات واهية ونتائج مسبقة الصنع. إن الخلط بين المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية والبحث الفلسفي والميتافيزيقي يقود حتماً إلى نتائج مشوهة، وهو ما أدركه بوضوح نخبة من الفلاسفة والعلماء — بغض النظر عن قناعاتهم العقدية — مما يثبت أن البناء الفكري لكتاب دوكنز يفتقر إلى الرصانة والعمق الأكاديمي المطلوب.

مشاركة: