رجوع
كيف ينسى الإنسان نفسه؟ قراءة قرآنية في معنى الذات

كيف ينسى الإنسان نفسه؟ قراءة قرآنية في معنى الذات

الشيخ معتصم السيد أحمد

يطرح القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ مفارقة لافتة تستحق الوقوف عندها طويلاً. فكيف يمكن للإنسان أن ينسى نفسه وهو لا يكاد ينشغل بشيء أكثر من انشغاله بها؟ فهو يفكر في مصلحته، ومستقبله، ومكانته، وصورته أمام الناس، ويخطط لما يريد ويخشى ما يهدده. فبأي معنى يكون مثل هذا الإنسان ناسياً لنفسه؟

يبدو أن الآية تتحدث عن معنى أعمق من مجرد حضور الذات في الوعي. فالإنسان قد يكون شديد الالتفات إلى نفسه، لكنه في الوقت نفسه جاهلاً بها. وقد يعرف رغباته من دون أن يعرف حقيقته، ويعرف ما يحب وما يكره من دون أن يعرف لماذا وُجد، وما الذي يحقق كماله، وما الغاية التي ينبغي أن يتجه إليها.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الوعي بالنفس ومعرفة النفس. الوعي بالنفس يعني أن الإنسان يشعر بذاته ورغباته ومصالحه، أما معرفة النفس فتتعلق بسؤال أعمق: ما هذا الكائن الذي أسميه «أنا»؟ ما مصدر قيمته؟ ما حدود وجوده؟ وما الذي ينبغي أن يصير إليه؟

فالإنسان قد يعرف كثيراً عن جسده وتكوينه النفسي وسلوكه الاجتماعي، لكنه مع ذلك يبقى عاجزاً عن الإجابة عن سؤال الغاية. يستطيع العلم أن يصف كيف تعمل خلاياه، وكيف تتكون بعض انفعالاته، وكيف تتأثر شخصيته بالبيئة، لكن هذا كله لا يجيب وحده عن السؤال: ما الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان؟

وهنا تتدخل الرؤية القرآنية لتقدم تصوراً للإنسان لا يقوم على عزله عن خالقه، بل على فهمه من خلال علاقته به.

فالقرآن حين يتحدث عن الإنسان لا يبدأ به بوصفه وجوداً مستقلاً يصنع نفسه من نقطة الصفر، وإنما بوصفه مخلوقاً: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، ومكرماً: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ومستخلفاً: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ومكلفاً ومسؤولاً، ومتجهاً في النهاية إلى ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.

وهذا يعني أن معرفة الإنسان بنفسه في القرآن لا تكتمل من داخله وحده؛ لأن الذات لا تحمل في ذاتها تفسير أصلها ولا غايتها النهائية. فهي تعرف أنها موجودة، لكنها لم تمنح نفسها الوجود، وتستطيع أن تختار بين أفعال متعددة، لكنها لم تضع بنفسها كل الشروط التي جعلت الاختيار ممكناً.

ومن هنا يمكن فهم قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾؛ فخالق الإنسان هو الأعلم بحقيقته، وبما يصلحه، وبالغاية التي خُلق من أجلها، ولذلك لا تكتمل معرفة الإنسان بنفسه إذا فصلها عن معرفته بخالقه.

فالشيء قد يعرف بعض خصائصه، لكن تحديد الغاية التي وُجد من أجلها يرتبط بمن أوجده. ولهذا فإن نسيان الله في المنظور القرآني ليس فقدان معلومة إضافية عن العالم، بل فقدان المرجع الذي يمنح الوجود الإنساني تفسيره واتجاهه.

وهنا يمكن أن نفهم بصورة أعمق قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. فحين ينسى الإنسان الله لا يختفي شعوره بذاته، بل قد يتضخم هذا الشعور، لكنه يبدأ بتعريف نفسه من خلال عناصر جزئية ومتغيرة.

قد يعرف نفسه من خلال ماله، فيصبح ما يملك جزءاً من تعريفه لذاته. أو من خلال منصبه، فيرى قيمته بقدر سلطته. أو من خلال مكانته الاجتماعية، فيصبح تقدير الآخرين شرطاً لشعوره بقيمته. أو من خلال جسده وشبابه، فإذا تغير الجسد شعر أن ذاته نفسها تتداعى.

وفي كل هذه الحالات لا يكون الإنسان قد فقد ذاته، بل أخطأ في تعريفها.

وهذا هو أحد المعاني الممكنة لنسيان النفس: أن يتعامل الإنسان مع ما يحيط به وكأنه هو، ومع ما يملكه وكأنه ذاته، ومع موقعه المؤقت وكأنه حقيقته النهائية.

وهنا تظهر المفارقة: كلما ابتعد الإنسان عن المرجع الثابت، ازداد تعلقه بالأشياء المتغيرة كي يعرّف نفسه بها. فإذا تغيرت هذه الأشياء اهتزت صورته عن ذاته معها.

أما التصور القرآني فيمنح الإنسان قيمة لا تنبع أولاً من موقع اجتماعي أو اقتصادي، بل من علاقته بالله ومن قابليته للتكامل. فالكرامة سابقة على الثروة والمنصب: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، والقيمة الأخلاقية لا تحددها صورة الإنسان أمام الناس، بل ما يصنعه بنفسه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.

وهنا نصل إلى بعد آخر في مفهوم الذات القرآني. فالإنسان ليس مجرد ما هو عليه الآن، بل هو أيضاً ما يمكن أن يصير إليه. ولذلك يمكن الحديث عن ثلاثة مستويات: الذات الواقعية التي يعيشها الإنسان، والصورة التي يحملها عن نفسه، والإمكان الذي يستطيع أن يرتقي إليه.

وقد تكون المسافة كبيرة بين هذه المستويات.

فالإنسان قد يتصور نفسه كاملاً وهو لم يبدأ بعد في اكتشاف عيوبه، وقد يحتقر نفسه بينما يحمل إمكاناً عظيماً لم يُفعّل، وقد يعيش سنوات داخل صورة صنعتها له بيئته بينما تكون حقيقته أوسع منها.

ومن هنا لا تكون معرفة النفس مجرد اكتشاف لصفات ثابتة، بل وعياً بمسار. فالقرآن لا يقدم الإنسان كشيء مكتمل، وإنما كوجود مفتوح على التزكية أو التدسية (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، والصعود أو السقوط، والقرب أو البعد.

ولهذا يقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. فالذات الإنسانية تحمل قابلية الاتجاه، ولا تعرف نفسها حقاً إذا عرفت ما هي عليه فقط ولم تعرف ما يمكن أن تصير إليه.

وبهذا المعنى قد يكون نسيان النفس نسياناً للإمكان أيضاً. قد ينشغل الإنسان بما يحقق له اللذة أو المكانة العاجلة، وينسى الإنسان الذي كان يستطيع أن يصبحه.

فالخسارة ليست دائماً في فقدان شيء خارجي، بل قد تكون في ضياع صورة أعلى من الذات لم تتحقق.

وهذا يقربنا من مفهوم الاغتراب عن الذات، ولكن بصورة قرآنية مختلفة. فالإنسان المغترب ليس فقط من يعيش بعيداً عن مجتمعه أو ثقافته، بل من يعيش حياة لا تعبر عن غايته الحقيقية. قد ينجح وفق المقاييس الخارجية، لكنه يفشل في بناء نفسه من الداخل.

وقد يملك الأشياء كلها بينما يفقد القدرة على معرفة ما تستحقه هذه الأشياء من موقع في حياته.

ولهذا يلفت القرآن الإنسان إلى نفسه بوصفها موضعاً للمعرفة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. فالذات ليست مجرد موضوع يعيش الإنسان داخله، وإنما آية تحتاج إلى إبصار.

وهذا التعبير مهم؛ لأنه يفترض أن الإنسان قد يعيش مع نفسه دون أن يبصرها. كما يعيش الإنسان بين مظاهر الكون دون أن يقرأ دلالاتها.

ومن هنا نشأت في التراث الإسلامي العلاقة المعروفة بين معرفة النفس ومعرفة الرب، وإن كانت العبارة المشهورة «من عرف نفسه فقد عرف ربه» تحتاج من جهة النسبة الحديثية إلى بحث مستقل. لكن المضمون الذي يربط بين معرفة الإنسان بحدوده وافتقاره وبين معرفته بربه ينسجم بوضوح مع البناء القرآني.

فالإنسان حين يعرف أنه لم يوجد بنفسه يدرك معنى الافتقار، وحين يرى تغيره المستمر يدرك أنه ليس مكتفياً بذاته، وحين يكتشف حدود علمه وقدرته يدرك أن وجوده لا يفسر نفسه بنفسه.

وفي الاتجاه المقابل، حين يعرف الإنسان ربه يعيد ترتيب فهمه لنفسه. يعرف أنه مخلوق لكنه ليس مهملاً، محدود لكنه قابل للكمال، مستقل في مسؤوليته لكنه ليس مستقلاً في وجوده، كريم لكنه ليس إلهاً، صاحب إرادة لكنه لا يخلق الحقيقة بإرادته.

وهذه النقطة تمثل فارقاً جوهرياً بين الرؤية القرآنية وأي تصور يجعل الذات الإنسانية مرجعاً نهائياً لنفسها. فالقرآن يمنح الإنسان مكانة كبيرة، لكنه لا يمنحه موقع الإله. يكرمه، لكنه لا يجعله المصدر النهائي للقيمة. يمنحه الحرية، لكنه يربطها بالمسؤولية. ويعترف بإرادته، لكنه لا يجعل إرادته خالقة للحق والباطل.

ومن هنا فإن سؤال «من أنا؟» في القرآن لا ينفصل عن سؤال آخر: «لمن أنا؟».

فالإنسان لا يعرف نفسه فقط من خلال تركيبته، بل من خلال نسبته إلى الله. وهذه النسبة ليست إضافة خارجية إلى هويته، وإنما جزء من تفسير وجوده نفسه.

ولهذا فإن نسيان الله يؤدي إلى نسيان النفس؛ لأن الإنسان حين يفقد أصله وغايته يبقى قادراً على وصف تفاصيل كثيرة عن نفسه، لكنه يفقد الصورة التي تجمع هذه التفاصيل في معنى واحد.

يعرف كيف يعيش، ولا يعرف لماذا يعيش.

يعرف ماذا يريد، ولا يعرف ما الذي يستحق أن يريده.

يعرف كيف يزيد قدرته، ولا يعرف في أي اتجاه ينبغي أن يستخدمها.

وقد يكون هذا هو أعمق أشكال الجهل بالنفس.

وفي المحصلة، فإن الآية ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ تقدم رؤية متكاملة للإنسان: الذات لا تُعرف معرفة كاملة إذا عُزلت عن مصدرها وغايتها. فالإنسان قد يكون أكثر الكائنات حضوراً في وعيه، ومع ذلك يكون أبعدها عن معرفة نفسه إذا اختزلها في رغباتها ومصالحها وصورتها الاجتماعية.

ومن هنا فإن الرؤية القرآنية لا تبدأ بسؤال الإنسان: ماذا تريد؟ بل بسؤال أسبق: ما حقيقة هذا الذي يريد؟

فإذا عرف الإنسان أصله، وحدوده، وغايته، وإمكانه، أمكنه أن يعرف نفسه. أما إذا نسي ذلك كله، فقد يظل مشغولاً بذاته طوال حياته، بينما يكون قد نسيها بالفعل.

مشاركة: