رجوع
ترقيع العبث: كيف يخترع الإلحاد معنىً وهمياً للحياة؟

ترقيع العبث: كيف يخترع الإلحاد معنىً وهمياً للحياة؟

الشيخ مصطفى الهجري

الإنسان بطبعه كائن يبحث عن الغاية، ولا يمكنه العيش طويلاً في فراغ وجودي خانق. لكن الإلحاد المادي يضع الإنسان في مأزق عقلي ونفسي مركب؛ فمن جهة يُقرر أن الكون وُجد خبط عشواء بلا غاية ولا هدف، ومن جهة أخرى يجد الملحد نفسه مضطراً للبحث عن معنى يبرر به استمراره في هذه الحياة. هذا التناقض الصارخ يكشف عن محاولة يائسة لترقيع العبث الوجودي الذي تفرضه النظرة المادية الصارمة.


التناقض الإلحادي: اتهام المؤمنين والوقوع في الفخ ذاته

المفارقة العجيبة في الخطاب الإلحادي هي التناقض التام بين دعواهم الفلسفية وواقعهم النفسي. ومن ظريف هذا الباب أنّ الملاحدة يَتَّهِمُون المؤمنين بالله أنهم صَنَعُوا إلهًا لِيَمْنَحَ هذا العالم معنىً وعاقبةً فيها النَّاس تُجزى، رغم أنَّ الحياة بلا معنى موضوعي في رَحِمِها. إنهم يزعمون أن الدين مجرد اختراع بشري لتعزية النفس، لكنَّ أئمَّة الإلحاد أنفسهم انتهوا إلى التُّهمة نفسها التي رَمَوْا بها المُؤَلِّهَة؛ إذ أَنْكَرُوا أن للحياة معنى، لكنَّهم انتهوا إلى وجوب صناعة معنى لها رغم أنها بلا معنى أصيل. هذا يثبت أن الهروب من المعنى الإلهي الموضوعي لا يترك للملحد خياراً سوى اختراع معانٍ وهمية لتسكين قلق روحه.


العدمية والبحث اليائس عن "السوبرمان"

تتجلى أزمة "ترقيع العبث" بوضوح عند رواد الفلسفة العدمية والوجودية. ومن أعجبِ ما تقرأ أن تكتشف أنَّ رُؤُوسَ العَدَمِيّين أكثرُ النَّاس إصرارًا على صناعة المعنى حتى يملك الإنسانُ قُدْرةً على معايشة الحياة، وتمجيد القِيمَةِ الوجوديَّة والفضيلة الأخلاقيَّة.

خذ على سبيل المثال الفيلسوف فريدريك نيتشه؛ وقد انتهى (نيتشه) - أحد أعلام العَدَميَّة قبل الازورار عنها - إلى وجوبِ صناعةِ مَثَلٍ أعلى يكون رمزًا لمعاني العَظَمَةِ، وقُدوة في نحت معاني الحياة السَّويَّة والجميلة، وهو «السُّوبرمان»، ولم يقتصر هذا التخبط عليه وحده، بل وكذلك فعل (سارتر) نَصِيرُ الحرّيّة، و(كامو) نَصِيرُ المغالبة والثّورة على عبثِ الوجود. لقد أنكروا جميعاً المعنى الأصيل للكون، ثم استماتوا في صناعة معنى بديل ينسجونه من خيالهم.


الاكتشاف مقابل الصناعة: رؤية المسلم للوجود

في المقابل، يقف التصور الإسلامي على أرض صلبة ومنسجمة مع العقل والفطرة. إنّ المسلم يرى أنّ إيمانه قائم على وعي عاقل، وأنّه يكتشف معنى الحياة عندما يفكّ حُجُبَ الجهل ويُكَسِّرُ أغلال الغيبة. المؤمن الحقيقي لا يخترع معنى ليتعزى به، بل يكتشف غاية الخالق المبثوثة في الكون، فيعيش في تواؤم مع مبادئ الوعي الكونيّ المحفورة حُروفُه في قلبه وعقله.

أما الملحد، فهو يتخبط في وهم الصناعة الذاتية، ويقف على خلافِ الملحدِ الذي يَكْفُر - في الجهة المقابلة - بالمعنى الذاتيّ للوجود، غير أنّه يَلْتَفُّ وراء كُفْرِهِ ذاك ليقول: إنّ المعنى لا يُكتشف، وإنّما يُصْنَع، وتُصْرَفُ الحياةُ كُلُّها في شوقٍ عظيمٍ لصناعة أَبْهَى مَعَانِيْهِ.


جني الثمار من رمال الصحراء

لكن، هل يمكن للعدم أن يثمر حقاً؟ هل يمكن لمعنى مَصنوع بشرياً في كون عبثي أن يصمد أمام أزمات الحياة الكبرى ومواجهة الموت؟ يصور أحدهم هذا العبث الإلحادي بتساؤل بلاغي بليغ: «ولكنْ هلْ من العقل أنْ يَبْذُر العَدَمُ حَبَّ الحياة في مفازةٍ قاحِلةٍ؛ ليُجتنى من الرَّمْلِ والرِّيح ثمرة عَذْبة زاهية؟!». إن محاولة استخراج معنى حقيقي ومُلزم من كون مادي أصم تشبه تماماً محاولة استخراج الماء من السراب؛ «وهل يَدُرُّ ضَرْعُ السَّراب سقايةً لِرواء؟!».

إن المعنى الحقيقي لا يُخترع، بل يُكتشف. والإنسان الصادق مع نفسه لا يقبل أن يعيش في وهمٍ نسجه بيده ليرقع به عبثية معتقداته المادية، بل يواجه الحقيقة. والنبيهُ هو مَنْ صالَحَ بين أفعالِهِ وتصوُّراتِهِ الظَّاهرة، ولم يترك دفينَ أفكارِهِ يُحرّكُ نفسَهُ دون وَعْي ومصارحةٍ. فإما أن نعترف بوجود غاية كبرى نكتشفها وننسجم معها، وإما أن نغرق في صحراء العدم، ننتظر عبثاً قطاف ثمارٍ من رمال لا تُنبت إلا الوهم.

مشاركة: