رجوع
تحطيم الإطار الديني المزيف: كيف عرّت كربلاء شرعية الحكم الأموي؟

تحطيم الإطار الديني المزيف: كيف عرّت كربلاء شرعية الحكم الأموي؟

لطالما شكل الدين الغطاء الأقوى لأي سلطة سياسية تسعى لإضفاء الشرعية على وجودها وممارساتها أمام الجماهير. وفي التاريخ الإسلامي المبكر، أدرك الحكم الأموي هذه الحقيقة جيداً، فعمل على نسج "إطار ديني مزيف" يبرر استبداده، ويُخدّر الأمة، ويُحرّم عليها أي محاولة للاعتراض أو المحاسبة. في خضم هذا الواقع المظلم، جاءت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء كزلزال مدمر أسقط تلك الأقنعة، وعرّى حقيقة السلطة الأموية أمام التاريخ.

 صناعة الشرعية المزيفة

اعتمد الأمويون سياسة تخدير الأمة عبر ترسيخ عقيدة "الجبر"، موهمين الناس بأن وصولهم للسلطة وبقاءهم فيها هو مشيئة إلهية حتمية لا يجوز الاعتراض عليها، وبأن طاعة الحاكم مهما بلغ فسقه وظلمه هي جزء من طاعة الله. وقد تناسوا وتجاهلوا متعمّدين التحذير القرآني الصارم: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ هود، الآية: 113. وفي التفسير يؤكد العلامة الطباطبائي: أن الركون والميل إلى الظالمين يعطيهم الشرعية ويقوي باطلهم، وبالتالي فإن السكوت عن السلطة الجائرة أو مهادنتها هو اشتراك عملي في إثمها، وهو ما يوجب العذاب الإلهي والمشاركة في تحمل تبعات الظلم. راجع "تفسير الميزان" (ج11، ص65).

بهذا التزييف الديني، أراد يزيد بن معاوية أن يحكم الأمة باسم الخلافة الإسلامية وهو يجاهر بانتهاك محرماتها، محولاً الدين إلى مجرد طقوس شكلية تخدم مصالح البلاط وتقمع المعارضين.

 كربلاء: كسر احتكار الدين وتصحيح المسار

أدرك الإمام الحسين (عليه السلام) أن الخطر الأموي لم يعد مجرد ظلم سياسي عابر، بل هو خطر "تحريفي" يستهدف قلب العقيدة. لذا، كانت انطلاقته الأولى نحو تمزيق هذا الغطاء عبر تذكير الأمة بالمقاييس الحقيقية للشرعية. وقف الحسين (عليه السلام) في مسيره ليخاطب جيش الحر بن يزيد الرياحي، محدداً المنطلق الشرعي لثورته: «أيها الناس، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله». تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، ابن جرير الطبري، ج4، ص304، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ج4، ص48.  

هذا الحديث النبوي الشريف الذي استدعاه الإمام الحسين يمثل "الدستور الإسلامي" الأسمى في مقاومة الطغيان. وهو يسقط أي شرعية مدعاة للحاكم الجائر بمجرد مخالفته للسنّة والعدل، ويؤكد أن السكوت عن الظالم المتستر بالدين ليس حكمة بل هو جريمة توجب دخول النار مع الظالم ذاته.

ولم يكتفِ الإمام الحسين ببيان القاعدة النظرية، بل طبقها بوضوح فضح فيه ممارسات السلطة الأموية، قائلاً في خطبته: «ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله». مقتل الحسين، أبو مخنف الأزدي، ص 85.

هذه الكلمات بمثابة وثيقة إدانة شاملة وتعرية كاملة للبنية التحتية للسلطة الأموية؛ فالإمام هنا يسلب منهم صفة الإسلام التطبيقي، ويثبت بالدليل القاطع خروجهم عن مسار الدين، مما ينزع عنهم أي حصانة شرعية أو سياسية كانوا يحتمون بها لتبرير حكمهم.

 الدماء التي أسقطت الأقنعة

عندما وقعت فاجعة عاشوراء، وأقدمت السلطة الأموية التي تدّعي خلافة رسول الله على ذبح سبطه وريحانته وسبي نسائه بطريقة وحشية تتنافى مع أدنى القيم الإنسانية والإسلامية، سقط الإطار الديني المزيف بالضربة القاضية. لقد أثبتت كربلاء للأمة أن هؤلاء الحكام لا يقيمون للدين وزناً.

يصف المفكر الإسلامي الشيخ محمد مهدي شمس الدين هذا الأثر الكبير قائلاً: «إن ثورة الحسين جردت الحكم الأموي من سلاحه الماضي، وهو الغطاء الديني، وكشفت هذا الحكم على حقيقته جاهليةً لا تمت إلى الإسلام بصلة». ثورة الحسين: ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، ص 142. 

يوضح هذا الاقتباس التحليلي كيف تحولت دماء الحسين إلى أداة فرز تاريخية حاسمة، فصلت نهائياً بين "الإسلام المحمدي الأصيل" القائم على العدل والرحمة، وبين "الإسلام الأموي المزيف" الذي طوّع الدين لخدمة السيف والسلطة.

لم تكن كربلاء مجرد معركة عسكرية خسر فيها الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه وحياته، بل كانت أضخم عملية "كشف وتعرية" في التاريخ الإسلامي. لقد حطمت تلك الدماء الزاكية هالة القداسة الكاذبة التي أحاط بها الأمويون كرسيهم، وأعادت للأمة وعيها بأن الشرعية لا تُستمد من قوة القمع والتضليل باسم الله، بل من إقامة العدل. وبذلك، بقيت كربلاء المقياس الأبدي الذي تُمتحن به كل سلطة، والشرارة التي تلهم كل أمة تسعى للتحرر من الاستبداد المغلف بغطاء الدين.

مشاركة: