رجوع
زيارة الأربعين كيف نصنع وعياً يحمي العراق؟

زيارة الأربعين كيف نصنع وعياً يحمي العراق؟

الشيخ معتصم السيد أحمد

في الأيام العادية يتوزع الناس بين أعمالهم وبيوتهم ومشكلاتهم الخاصة، ويصعب أن تجتمع هذه الأعداد حول خطاب واحد أو رمز واحد. أما في الأربعين، فإن الملايين تتحرك تحت اسم الحسين، وتستمع إلى المنابر، وتشاهد اللافتات، وتتابع القنوات والمنصات، وتتلقى رسائل دينية وسياسية واجتماعية متلاحقة.

وهذا يعني أن الزيارة ليست حركة بشرية فقط، بل بيئة واسعة لتكوين المعاني. فالكلمة التي تُقال على طريق كربلاء قد تصل إلى الآلاف، والصورة التي تنتشر من أحد المواكب قد يشاهدها الملايين، والشعار الذي يرفع في الموسم قد يتحول إلى جزء من لغة المجتمع بعد انتهائه.

لهذا تتنافس جهات متعددة على الحضور داخل الزيارة؛ لأن من يحضر في وجدان الناس في هذه اللحظة يملك فرصة كبيرة للتأثير في نظرتهم إلى الدين والوطن والسياسة والمجتمع. وليس كل حضور سلبياً، فهناك خطابات تربوية ومعرفية صادقة، لكن المشكلة تبدأ حين يُستثمر اسم الحسين لتمرير أفكار لا تخضع للنقاش، أو لصناعة ولاءات لا تنبع من وعي الناس، أو لتحويل الشعيرة إلى منصة لخدمة مصالح ضيقة.

إن المجتمع الذي لا ينتبه إلى ما يُقال له في لحظات اندفاعه العاطفي قد يفتح أبوابه بنفسه لمن يريد إعادة تشكيل وعيه. فالعاطفة قوة عظيمة، لكنها لا تكفي وحدها لحماية الإنسان؛ لأنها قد تدفعه إلى التضحية في الاتجاه الصحيح، كما قد تجعل منه أداة في يد من يجيد مخاطبة مشاعره.

فالاختراق الواضح يسهل اكتشافه ومقاومته. فإذا جاء خطاب يطعن في الحسين أو يهاجم الشعائر مباشرة، فإن المجتمع يتعامل معه بوصفه خصماً. لكن الأخطر هو الخطاب الذي يستخدم لغة الحسين نفسها، ثم يفرغها من مضمونها أو يوظفها في اتجاه مناقض لها.

فالوعي الحسيني يتعرض إلى نوعين متقابلين من الاختراق. يحاول الاتجاه الأول إفراغ الزيارة من كل مضمون فكري وسياسي واجتماعي، وتحويلها إلى عاطفة فردية لا علاقة لها بمشكلات الأمة. ويطلب من الزائر أن يبكي ويزور ويخدم، لكنه لا يسأل عن الظلم والفساد ومسؤولية المجتمع ومصير الإنسان.

هذا الاتجاه لا يعادي الزيارة ظاهراً، لكنه يعزلها عن الحياة، حتى يصبح الحسين ذكرى نحزن عليها من دون أن يكون معياراً نحاكم به واقعنا.

أما الاتجاه الآخر فيحاول احتكار الزيارة، فيقدم نفسه بوصفه الناطق باسم الحسين، ويضع الناس أمام خيار مصطنع: إما قبول مشروعه السياسي والفكري، وإما الاتهام بالتقصير في الولاء. وهكذا ينتقل من إفراغ الحسين من المعنى إلى احتكار معناه لمصلحة جهة محددة.

وكلا الاتجاهين يهدد الوعي؛ فالأول ينتج زائراً عاطفياً لا يرى في كربلاء مسؤولية، والثاني ينتج تابعاً يظن أن ولاءه للحسين يكتمل بتسليم موقفه إلى الآخرين.

أما الوعي الصحيح فيرفض الأمرين معاً. فهو يرى في الزيارة عبادة وولاءً وموقفاً، لكنه لا يسمح لأحد باحتكارها. ويقرأ كربلاء بوصفها مدرسة في العدل والكرامة والإصلاح، من دون أن يحولها إلى شعار حزبي أو وسيلة لإقصاء المختلفين.

والعراق يمثل قلب زيارة الأربعين وميدانها الأكبر، وهو الذي يقدم أرضه وبيوته وأمنه وموارده لاستقبال الملايين، ومن الخطأ أن يُختزل دوره في تقديم الخدمات فقط، وكأن العراق مجرد طريق جغرافي يعبره الزائرون إلى الضريح.

العراق هو حامل هذه الذاكرة، وكربلاء جزء من هويته الدينية والتاريخية، وشعبه هو الذي حفظ الزيارة في أقسى الظروف ودفع ثمناً كبيراً من أجل استمرارها. ولذلك ينبغي أن تكون الزيارة فرصة لتعزيز وعي العراقي بقيمة وطنه ومسؤوليته تجاهه، لا مناسبة تتراجع فيها خصوصية العراق أمام الخطابات والمشاريع المتنافسة.

 ولا يعني ذلك تحويل الزيارة إلى احتفال قومي مغلق، فهي أوسع من الحدود الوطنية ويقصدها الناس من مختلف البلدان. لكن عالمية الزيارة لا تستلزم تهميش العراق، كما أن اعتزاز العراقي بدوره لا يتناقض مع ترحيبه بالعالم.

يمكن للعراق أن يكون منفتحاً من دون أن يكون تابعاً، وأن يحتضن الزائرين من دون أن يتنازل عن قراره، وأن يحترم رموز الشعوب الأخرى من دون أن يضعف ثقته برموزه ومؤسساته. فالانفتاح الحقيقي لا يصدر عن فراغ في الهوية، بل عن هوية تعرف نفسها ولا تخاف من التواصل.

إن الزائر القادم إلى العراق ينبغي أن يرى بلداً له تاريخه ومرجعيته وثقافته وخصوصيته، لا مجرد ساحة تتنافس فوقها الشعارات والولاءات. كما ينبغي للعراقي أن يشعر أن خدمته للزائر تعبير عن أصالته وكرمه، لا دليلاً على أن وطنه متاح لكل من يريد توجيه وعيه.

ومن أخطر ما يهدد الوعي العراقي تحويل زيارة الأربعين إلى مادة للاستفزاز الطائفي. فقد يحاول بعضهم تصويرها بوصفها استعراضاً للقوة المذهبية، بينما يعمل آخرون على تشويهها وإثارة الخوف منها، فتدخل الشعيرة في دائرة التوتر بدل أن تكون فرصة لبيان القيم التي جسدها الحسين.

إن الهوية الشيعية للزيارة واضحة ولا تحتاج إلى إنكار، لكن الاعتزاز بالهوية لا يعني تحويلها إلى عداء تجاه الآخرين. فالحسين لا يكبر بإهانة بقية المسلمين، ولا تحتاج عقيدتنا إلى الاستفزاز كي تثبت وجودها.

وفي المقابل، لا يجوز أن يُطلب من الشيعة إخفاء شعائرهم أو الاعتذار عنها بحجة مراعاة الحساسية. المطلوب ليس إضعاف الهوية، بل تقديمها بوعي: هوية واثقة لا تستفز، ومنفتحة لا تذوب، وقادرة على شرح معتقدها من دون أن تحول الاختلاف إلى معركة دائمة.

والخطاب الطائفي، مهما كان مصدره، يخدم اختراق المجتمع؛ لأنه يدفع الناس إلى الاحتماء بالجهات الخارجية، ويجعل الانتماء المذهبي بديلاً عن الدولة، ويحوّل الاختلاف الديني إلى أداة في الصراعات السياسية. وكلما ضعفت الثقة بين مكونات العراق، أصبح القرار الوطني أكثر قابلية للاختطاف.

ولهذا فإن حماية زيارة الأربعين من الطائفية ليست تنازلاً عن هويتها، بل حماية لها من أن تُستعمل في غير ما وجدت من أجله.

كيف نصنع من الزيارة مشروعاً للوعي؟

لا يكفي الحديث العام عن تحصين المجتمع، بل تحتاج زيارة الأربعين إلى مشروع ثقافي يوازي مشروع الخدمة. فكما تُنصب آلاف المواكب لتقديم الطعام والماء والراحة، ينبغي أن توجد مساحات منظمة تقدم المعرفة وتجيب عن الأسئلة وتساعد الزائر على فهم القضية التي يمشي إليها.

ولا يعني ذلك تكثير المحاضرات والشعارات، بل تحسين نوع الخطاب. فالزائر لا يحتاج دائماً إلى تكرار ما يعرفه، وإنما يحتاج إلى من يربط الحسين بتحديات حياته، ويعلمه كيف يميز بين الدين والتوظيف الديني، وبين الولاء والتبعية، وبين الانفتاح والذوبان، وبين النقد والهدم.

كما يحتاج الشباب إلى خطاب يفهم عالمهم وأسئلتهم، ولا يكتفي بطلب الطاعة منهم. فالأجيال الجديدة تتعرض يومياً لتيارات متناقضة عبر وسائل التواصل، وإذا لم تجد خطاباً حسينياً عميقاً وواضحاً، فإنها ستتلقى معنى كربلاء من مقاطع مبتورة أو سجالات سطحية أو جهات تريد توجيهها.

وتحتاج الزيارة أيضاً إلى إعلام مهني لا يكتفي بعرض الحشود والطعام، بل يكشف المضامين الحضارية والفكرية، ويوثق تضحيات العراقيين، ويرد على حملات التضليل، ويقدم الشعيرة إلى العالم بلغة هادئة وواثقة.

ومن المهم كذلك ألا ينتهي الخطاب بانتهاء الزيارة؛ لأن الوعي الموسمي سرعان ما يتراجع أمام الضخ الإعلامي المستمر. فما يُبنى في أيام ينبغي أن يجد امتداداً في المدارس والجامعات والمنابر والمؤسسات الثقافية طوال العام.

والإنسان الواعي لا يخاف من الفكرة المختلفة، لكنه لا يقبلها بلا فحص. ويحترم الرموز، لكنه لا يمنح غير المعصوم عصمة سياسية. وينتمي إلى مذهبه، لكنه لا يحول الانتماء إلى كراهية. ويحب وطنه، لكنه لا يجعل الوطنية غطاءً للظلم والفساد. ويتعاون مع الآخرين، لكنه لا يسلم لهم حق تحديد مصلحته.

هذه هي البصيرة التي تحتاج إليها زيارة الأربعين. فالمجتمع الذي يبذل الملايين ويستقبل الملايين ويملك هذه الطاقة الروحية الهائلة، لا ينبغي أن يبقى عرضة لكل خطاب يجيد استخدام عاطفته. وما يحميه ليس تقليل العاطفة، بل وصلها بالعقل؛ لأن الحب الذي يستند إلى المعرفة يصبح قوة، أما الحب الذي ينفصل عن البصيرة فقد يتحول إلى مدخل للاستغلال.

لقد نهض الحسين عليه السلام في مجتمع لم يكن يجهل نسبه أو فضله، لكن كثيراً من أفراده فقدوا البصيرة حين اختلطت عليهم الطاعة بالمصلحة والخوف بالدين. ولذلك لا يكفي أن يعرف الإنسان اسم الحسين أو يبكي عليه، بل ينبغي أن يتعلم منه كيف يقرأ الواقع، وكيف يميز بين الراية والحقيقة، وبين من يخدم القضية ومن يستخدمها.

إن حماية الوعي العراقي في زيارة الأربعين لا تعني البحث الدائم عن عدو خارجي، بل تبدأ من إصلاح الداخل: منبر مسؤول، وإعلام صادق، وثقافة نقدية، وهوية واثقة، وشباب يعرف لماذا ينتمي، ومجتمع لا يسمح لأحد أن يحتكر الحسين أو يتحدث باسمه من دون أن يخضع لمعياره.

وعندما تتحول الزيارة إلى مدرسة في البصيرة، لن يعود العراق مجرد مستضيف لأكبر تجمع ديني، بل يصبح منتجاً للوعي الذي يحتاج إليه العالم الإسلامي. وعندها لا تكون الملايين المتجهة إلى كربلاء مجرد حشود تتحرك في موسم، بل أمة تتعلم كيف تحمي ذاكرتها وعقيدتها ووطنها من كل محاولة تريد توجيه وعيها بعيداً عن قيمها ومصالحها الحقيقية. 

فأخطر ما يهدد زيارة الأربعين ليس أن يقل عدد الزائرين، بل أن يكبر العدد ويضعف المعنى. وأعظم ما يمكن أن تقدمه الزيارة للعراق ليس مشهد الحشود وحده، بل بناء إنسان يعرف الحسين، ويعرف وطنه، ويعرف كيف يميز بين من يدعوه إلى الحق ومن يستخدم اسم الحق للوصول إليه.

مشاركة: