رجوع
من ردّ الشبهة إلى صناعة البصيرة

من ردّ الشبهة إلى صناعة البصيرة

الشيخ معتصم السيد أحمد

ليست المشكلة الكبرى في الخطاب الإسلامي المعاصر أنّه لا يملك جواباً، ولا أنّ الإسلام فقير في مصادره، ولا أنّ القرآن عاجز عن مخاطبة الإنسان في أزماته الكبرى، بل المشكلة في كثير من الأحيان أنّنا نمتلك الجواب، ولكننا لا نحسن أحياناً طريق الوصول به إلى عقل الإنسان وقلبه. نملك الحقيقة، ولكننا نقدّمها أحياناً بصورة لا تكشف جمالها. نملك النص، ولكننا نعجز أحياناً عن تحويله إلى بصيرة. نملك التراث، ولكننا لا نفلح دائماً في نقله من كونه مادة محفوظة إلى كونه وعياً حياً يضيء الطريق.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى الانتقال من منطق "ردّ الشبهة" إلى منطق "صناعة البصيرة". فليس كل من يطرح سؤالاً يريد الهدم، وليس كل شبهة تعالج بمجرد إسكات صاحبها، وليس كل خطاب ناجح هو الذي يُلزم الخصم بالحجة فحسب، بل الخطاب الناجح هو الذي يحوّل الجواب إلى وعي، والحجة إلى نور، والمعرفة إلى موقف.

إن القرآن الكريم لم يقدّم نفسه بوصفه كتاب جدل، بل بوصفه كتاب هداية وبصائر: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقال أيضاً: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾. والبصيرة ليست معلومة مجردة، ولا جواباً سريعاً، ولا حفظاً لمجموعة من الردود، وإنما هي رؤية داخلية تجعل الإنسان قادراً على فهم موقعه، وتمييز الحق من الباطل، وقراءة الأسئلة من جذورها، لا من قشورها.

ولذلك فإن الخطاب الإسلامي حين ينشغل بردّ الشبهة فقط قد يربح معركة جزئية، ولكنه لا يصنع بالضرورة إنساناً بصيراً. قد يسكت سؤالاً، ولكنه لا يعالج القلق الذي أنشأ السؤال. قد يهزم عبارة، ولكنه لا يداوي الفراغ الذي جعل العبارة مؤثرة. أما صناعة البصيرة فهي أعمق من ذلك؛ لأنها لا تكتفي بأن تقول للإنسان: هذا هو الجواب، بل تساعده أن يرى لماذا كان هذا الجواب حقاً، وكيف يرتبط بحياته، ومصيره، ووعيه، ومسؤوليته.

ومن هنا تظهر ثلاث مشكلات أساسية في بعض أنماط الخطاب الإسلامي المعاصر: مشكلة تحويل الدين إلى أجوبة جامدة، ومشكلة التعامل مع كل سؤال بوصفه عداءً، ومشكلة ضعف الربط بين النص والحياة. وهذه المشكلات لا تعود إلى نقص في الدين، ولا إلى ضعف في النص، وإنما إلى طريقة حمل الحقيقة وعرضها؛ فقد تكون الحجة قوية، لكن أسلوب تقديمها ضعيف، وقد يكون الجواب صحيحاً، لكنه لا يتحول إلى بصيرة، وقد يكون النص حاضراً، لكنه لا يصل إلى حياة الإنسان كما ينبغي.

المشكلة الأولى: تحويل الدين إلى أجوبة جامدة

من أخطر مشكلات الخطاب الإسلامي أن يتحول الدين أحياناً إلى مجموعة أجوبة محفوظة، تُستدعى عند الحاجة كما تُستدعى الملفات الجاهزة، من غير أن يصحبها فهم عميق للسؤال، ولا إدراك للبيئة التي أنتجته، ولا وعي بالإنسان الذي يطرحه.

وهذه مشكلة حقيقية؛ لأن الإنسان المعاصر لا يعيش غالباً سؤالاً واحداً بسيطاً، بل يعيش شبكة من الأسئلة والضغوط والمؤثرات. فهو يسمع خطاب العلم، وضغط الإعلام، وثقافة الاستهلاك، وفلسفات الشك، وصورة الدين في التجارب السياسية والاجتماعية، ثم يأتي ليسأل عن الله، والقرآن، والنبوة، والعدل، والمرأة، والحرية، والمعنى، والموت. فإذا كان الجواب مجرد عبارة محفوظة لا تدخل إلى عمق هذا التعقيد، فإنها قد تكون صحيحة في ذاتها، ولكنها لا تكون كافية في مقام البيان.

القرآن الكريم لم يخاطب الإنسان بهذه الطريقة الجامدة. لم يكن القرآن يقدّم الحقائق وكأنها معادلات باردة، بل كان يحرك العقل والقلب والوجدان والضمير معاً. حين يتحدث عن التوحيد لا يكتفي بالتقرير، بل يفتح عين الإنسان على الكون: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾. وحين يتحدث عن المعاد لا يكتفي بالأمر بالإيمان، بل يستثير ذاكرة الإنسان الأولى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. وحين يتحدث عن الأخلاق لا يجعلها مجرد تعليمات خارجية، بل يربطها بحقيقة النفس ومصيرها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.

وهذا يعني أن القرآن يصنع وعياً، لا مجرد أجوبة. إنه يعلّم الإنسان كيف ينظر، كيف يسأل، كيف يوازن، كيف يميز، وكيف يربط الجزئي بالكلي، والحكم بالحكمة، والسلوك بالمصير. ولذلك فإن الخطاب الإسلامي حين يفصل الجواب عن الرؤية، والحكم عن المعنى، والنص عن الحياة، فإنه يضعف قدرة الدين على التأثير، لا لأن الدين ضعيف، بل لأن طريقة عرضه لم تعد تحمل روحه العميقة.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «العالِم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس». وهذه الرواية تختصر شرطاً أساسياً في الخطاب الديني؛ فليس العلم أن تحفظ النص فقط، بل أن تفهم زمانك أيضاً، وأن تعرف كيف تدخل بالنص إلى أسئلة الزمان، من غير أن تخضع له أو تذوب فيه. فالعالم بزمانه لا يتفاجأ بالشبهات، ولا يتعامل معها كأنها أصوات غريبة لا أصل لها، بل يعرف جذورها، ويميز دوافعها، ويفهم كيف يرد عليها بطريقة تصنع وعياً لا مجرد إسكات.

المشكلة الثانية: التعامل مع كل سؤال بوصفه عداءً

المشكلة الثانية أن بعض الخطاب الديني يتعامل مع السؤال بوصفه تهمة، ومع السائل بوصفه خصماً، ومع القلق بوصفه تمرداً. وهذا خلل كبير؛ لأن السؤال في حد ذاته ليس عدواً للدين، بل قد يكون بداية الطريق إلى الدين. كم من إنسان بدأ بسؤال قلق، ثم انتهى إلى إيمان عميق. وكم من إنسان كان يحتاج إلى من يصبر عليه، لا إلى من يطرده من ساحة البحث.

نعم، هناك أسئلة عدائية، وهناك شبهات تصاغ بنية الهدم والسخرية، وهناك من لا يبحث عن الحقيقة وإنما يريد إثارة التشويش. لكن الخطأ أن نعمم هذا الحكم على كل سائل. فالشاب الذي يسأل عن عدل الله ليس بالضرورة منكراً لله. والمرأة التي تسأل عن موقعها في الفقه والمجتمع ليست بالضرورة متمردة على الدين. والطالب الذي يسأل عن التطور أو العلم أو التاريخ ليس بالضرورة ملحداً. قد يكون كل هؤلاء في لحظة بحث، والخطاب القاسي قد يدفعهم بعيداً، بينما الخطاب الحكيم يمكن أن يحوّل سؤالهم إلى باب من أبواب البصيرة.

القرآن الكريم لم يأمرنا أن نخاطب الناس بالانفعال، بل قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. واللافت هنا أن القرآن لم يكتفِ بقوله: جادلهم، بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فليس المطلوب مجرد امتلاك الحجة، بل امتلاك الطريقة الأحسن في عرض الحجة. وليس المطلوب مجرد الانتصار في النقاش، بل هداية الإنسان وفتح قلبه على الحق.

وقال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وآله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وهذه الآية تكشف قاعدة عظيمة في الخطاب: قد يكون الحق معك، ولكن الغلظة تفرق الناس عنك. وقد تكون الفكرة صحيحة، ولكن طريقة عرضها تجعل الناس ينفضون عنها. فإذا كان النبي، وهو المؤيد بالوحي، مأموراً باللين والرحمة، فكيف يجوز للداعية أو الكاتب أو الخطيب أن يجعل القسوة منهجاً دائماً في مخاطبة الناس؟

وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الناس أعداء ما جهلوا». وهذه الكلمة تفتح لنا باباً مهماً في فهم كثير من المواقف المعاصرة من الدين. فبعض الناس لا يعادي الدين لأنه فهمه ورفضه، بل لأنه لم يعرفه إلا من خلال صورة مشوهة، أو خطاب متشنج، أو تجربة اجتماعية قاسية، أو إعلام يصنع من الدين خصماً للحرية والعقل والإنسان. فإذا قابلناه بالاتهام قبل البيان، وبالطرد قبل التعليم، فإننا نزيد جهله جهلاً، ونحوّل المسافة بينه وبين الدين إلى قطيعة.

إن صناعة البصيرة تقتضي أن نفرق بين السؤال والعداء، وبين القلق والإنكار، وبين الباحث والمكابر. وهذا لا يعني التهاون مع الباطل، ولا تمييع الحق، ولا التنازل عن الثوابت، بل يعني أن نضع كل حالة في موضعها. فهناك مقام يحتاج إلى حزم، وهناك مقام يحتاج إلى رحمة، وهناك مقام يحتاج إلى تفكيك علمي، وهناك مقام يحتاج إلى احتضان تربوي. ومن لا يميز بين هذه المقامات قد يظن نفسه يدافع عن الدين، بينما هو في الواقع يضيّق طريق الناس إليه.

المشكلة الثالثة: ضعف الربط بين النص والحياة

المشكلة الثالثة أن بعض الخطاب الإسلامي يقدّم النص منفصلاً عن الحياة، وكأن الدين مجموعة مفاهيم معلقة في الهواء، لا علاقة لها بقلق الإنسان، ولا بمشكلاته، ولا بخوفه، ولا بظلمه، ولا بشعوره بالعبث، ولا بحاجته إلى المعنى. وهذا من أخطر أسباب ضعف التأثير؛ لأن الإنسان لا يبحث عن جواب عقلي فقط، بل يبحث أيضاً عن معنى يعيش به، وعن نور يمشي به، وعن رؤية تعطي لتعبه وآلامه وصبره قيمة.

فالإنسان حين يسأل عن الله لا يسأل دائماً سؤالاً فلسفياً مجرداً، بل قد يكون في داخله يسأل: هل لهذا الوجود معنى؟ هل أنا متروك؟ هل الظلم هو الكلمة الأخيرة في العالم؟ هل الموت نهاية العبث؟ وحين يسأل عن الدين قد لا يريد مجرد تعريف اصطلاحي، بل يريد أن يعرف: ماذا يصنع الدين في إنسانيتي؟ كيف يحميني من السقوط؟ كيف يجعلني أكثر عدلاً ورحمة وثباتاً؟ كيف يمنحني القدرة على مواجهة الطغيان والشهوة والخوف واليأس؟

القرآن الكريم يربط دائماً بين العقيدة والحياة. فالإيمان ليس فكرة مجردة، بل قوة تغيير. والتوحيد ليس نظرية ذهنية، بل تحرير للإنسان من عبودية غير الله. ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾. فالإيمان بالله هنا ليس انعزالاً عن الحياة، بل موقف من الطاغوت، ومن كل سلطة باطلة تريد أن تستعبد الإنسان أو تصادر وعيه.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. فالدين دعوة إلى الحياة، لا إلى الجمود. دعوة إلى حياة العقل، وحياة القلب، وحياة الضمير، وحياة المجتمع العادل. وإذا لم يشعر الإنسان أن الدين يحييه، وأنه يكشف له معنى وجوده، ويحرره من التفاهة والعبث والانسحاق، فإن الخطاب الديني يكون قد أخفق في بيان واحدة من أعظم حقائق الدين.

ومن هنا نفهم معنى الرواية المروية عن الإمام الصادق عليه السلام: «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية». فالدعوة ليست بياناً لفظياً فقط، بل حضور عملي. والناس لا يقتنعون بالدين حين يسمعون الكلام الجميل فحسب، بل حين يرون أثر الدين في الصدق، والرحمة، والعدل، والأمانة، ونظافة اليد، وكرامة السلوك. إن الخطاب الذي يتحدث عن القيم ولا يجسدها يفقد كثيراً من قدرته على الإقناع، لأن الإنسان المعاصر لا يسمع بأذنه فقط، بل يرى بعينه أيضاً.

ولذلك فإن ضعف الربط بين النص والحياة يجعل الدين يبدو لبعض الناس وكأنه خطاب عن الماضي، مع أن حقيقته أنه خطاب للإنسان في كل زمان. والخلل ليس في النص، بل في من يعجز عن كشف امتداد النص في الواقع. فالقرآن حين يتحدث عن فرعون لا يحدثنا عن حاكم مات وانتهى، بل يكشف لنا منطق الاستكبار في التاريخ. وحين يتحدث عن قارون لا يحدثنا عن ثري قديم، بل يكشف لنا طغيان المال حين ينفصل عن القيم. وحين يتحدث عن إبليس لا يحدثنا عن قصة غيبية فحسب، بل يكشف لنا جذور الكبر والحسد والتمرد في النفس. وحين يتحدث عن الحسين عليه السلام في الوجدان الإسلامي لا يتحدث عن مأساة تاريخية فقط، بل عن معيار خالد في رفض الذل، وحفظ الكرامة، وعدم السماح للطاغية أن يكتب معنى الحق والباطل.

إن النص الديني حين يُقرأ بهذه الطريقة يتحول إلى بصيرة. أما حين يُفصل عن الحياة، فإنه قد يبقى صحيحاً في نفسه، لكنه لا يصل إلى الإنسان بوصفه قوة هادية ومحررة.

منطق البصيرة لا يلغي رد الشبهة

ليس معنى الانتقال من ردّ الشبهة إلى صناعة البصيرة أن نترك الردود، أو نهمل الدفاع عن العقيدة، أو نساوي بين الحق والباطل، فهذا فهم خاطئ. الشبهة تحتاج إلى رد، والباطل يحتاج إلى تفكيك، والافتراء يحتاج إلى كشف، والعدوان على الدين لا يجوز أن يترك بلا جواب. لكن المشكلة أن يتحول رد الشبهة إلى كل شيء، وأن يصبح الخطاب الإسلامي في حالة دفاع دائم، كأنه لا يملك مشروعاً إلا ملاحقة أسئلة الخصوم.

القرآن الكريم ردّ الشبهات، لكنه لم يكن كتاب ردود فقط. جادل المشركين، ورد على أهل الكتاب، وكشف المنافقين، ولكنه في الوقت نفسه بنى الإنسان، وزكّى النفس، وأقام الرؤية، وصنع الأمة، وربط الأرض بالسماء، والحياة بالآخرة، والمعرفة بالمسؤولية. ومن هنا فالمطلوب أن لا يكون الخطاب الإسلامي مجرد ردّ فعل، بل أن يكون فعلاً معرفياً وتربوياً وحضارياً.

نحتاج إلى خطاب إذا أجاب عن الشبهة لم يكتفِ بإسقاطها، بل كشف جذورها. وإذا ناقش الإلحاد لم يكتفِ بإبطال حججه، بل بيّن حاجة الإنسان إلى المعنى. وإذا تحدث عن المرأة لم يكتفِ بالدفاع الفقهي، بل كشف رؤية الإسلام للكرامة، والأسرة، والتكامل، والعدالة. وإذا تحدث عن الحرية لم يكتفِ برفض الفوضى، بل بيّن أن الحرية الحقيقية تبدأ من التحرر من عبودية الشهوة والطاغوت والسوق والصورة والهوى. وإذا تحدث عن العبادات لم يكتفِ ببيان وجوبها، بل كشف أثرها في بناء النفس، وتنظيم الإرادة، وتربية الضمير.

إن الخطاب الإسلامي اليوم يحتاج إلى عقل يعرف النص، ويفهم الزمان، ويحترم الإنسان، ويميز بين السائل والمكابر، ويجمع بين قوة الحجة ورحمة البيان. يحتاج إلى خطاب لا يخجل من ثوابته، ولا يتنازل عن حقائقه، ولكنه في الوقت نفسه لا يكتفي بالتكرار، ولا يظن أن كل مشكلة تحل بعبارة جاهزة.

فالدين ليس ضعيفاً حتى نخاف عليه من السؤال، والحق ليس هشاً حتى نمنع الناس من التفكير، والقرآن ليس كتاباً خارج الحياة حتى نحتاج إلى عزله عن أسئلة العصر. بل القرآن كتاب بصائر، وأهل البيت عليهم السلام مدرسة هداية، والإسلام يملك من العمق ما يجعله قادراً على مخاطبة الإنسان في كل زمان. لكن هذا كله يحتاج إلى من يحمله بوعي، ويعرضه بحكمة، ويحوّله من مادة جدل إلى نور هداية.

وهنا تتحدد مسؤوليتنا: أن لا نبقى أسرى ردّ الشبهة وحده، بل أن نجعل من كل شبهة فرصة لصناعة بصيرة، ومن كل سؤال باباً إلى معرفة أعمق، ومن كل قلق طريقاً إلى يقين أرسخ. فالمعركة الحقيقية ليست أن ننتصر في نقاش عابر، بل أن نساعد الإنسان على أن يرى. وإذا أبصر الإنسان، لم تعد الشبهة قادرة على أن تقوده كما تشاء، لأنه لم يعد يملك جواباً محفوظاً فقط، بل صار يملك بصيرة.

مشاركة: