الشيخ معتصم السيد أحمد
قد يبدو السؤال بسيطاً: لماذا يختار ملايين الناس أن يقطعوا الطريق إلى كربلاء سيراً على الأقدام، مع أن وسائل النقل متاحة، والطريق يمكن اختصاره في ساعات قليلة، والمشقة ليست شرطاً في صحة الزيارة ولا في قبولها؟ لكن هذا السؤال البسيط يفتح باباً واسعاً لفهم فلسفة زيارة الأربعين؛ لأن الإنسان لا يفعل دائماً ما هو أسهل، ولا يختار في كل مرة أقصر الطرق، بل قد يطيل الطريق عمداً حين يشعر أن الطريق نفسه جزء من الغاية، وأن ما يحدث له أثناء المسير لا يقل أهمية عما ينتظره عند الوصول.
فالذي يمشي إلى الحسين عليه السلام لا يتحرك من مكان إلى مكان فحسب، ولا يقيس رحلته بعدد الكيلومترات التي قطعها، بل يدخل في تجربة تعيد ترتيب علاقته بجسده وراحته ووقته والآخرين والقضية التي ينتمي إليها. ولو كانت الغاية مجرد الوصول إلى الضريح، لكان الركوب أسرع وأيسر، لكن المشي يكشف أن الزائر لا يريد الوصول إلى كربلاء بجسده فقط، بل يريد أن يجعل الطريق نفسه تعبيراً عن المحبة والولاء والاستعداد لتحمل شيء من العناء من أجل المعنى الذي يمثله الحسين.
إن الحضارة الحديثة علمت الإنسان أن يقيس التقدم بمقدار ما يختصره من الوقت والجهد. فالآلة الجيدة هي التي تعفيه من الحركة، والخدمة الناجحة هي التي توفر عليه الانتظار، والحياة الأفضل هي التي تمنحه أكبر قدر من الراحة بأقل قدر من المشقة. وليس في ذلك ما يذم في ذاته؛ فالإنسان مأمور بأن ينتفع بما سخره الله له، وليس التعب قيمة مستقلة ينبغي طلبها لذاتها. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الراحة من وسيلة لتحسين الحياة إلى غاية تحكم الحياة كلها، وحين يصبح الإنسان عاجزاً عن احتمال أي مشقة، حتى لو كانت الطريق إلى قيمة عظيمة أو مسؤولية أخلاقية.
من هنا يأتي المشي إلى الحسين ليعلن أن الإنسان لا يقاس فقط بما يستطيع توفيره من الجهد، بل أيضاً بما يستطيع بذله حين يستحق الأمر البذل. فالزائر لا يمجد الألم، ولا يبحث عن الإرهاق لذاته، وإنما يقول بجسده إن بعض المعاني لا يكفي أن نتحدث عنها، بل ينبغي أن ندفع من وقتنا وطاقتنا وراحتنا ثمناً للانتماء إليها. والمحبة التي لا تكلف صاحبها شيئاً تظل دائماً معرضة لأن تكون مجرد انفعال عابر، أما حين تتحول إلى حركة واختيار وتحمل، فإنها تصبح موقفاً.
ولهذا لا يكون المشي مجرد وسيلة تعبير جسدي، بل يصبح تمريناً على تحرير الإنسان من سيطرة الراحة عليه. فالإنسان الذي تعود أن يطلب أقرب مكان، وأسرع خدمة، وأخف مسؤولية، يجد نفسه في طريق الأربعين يمشي ساعات طويلة، وينتظر، ويتعب، ويشارك الآخرين الطريق، ويقبل أن تتأخر حاجاته الشخصية، ويكتشف أنه قادر على تحمل أكثر مما كان يظن. وفي هذه التجربة ينكسر شيء من وهم الإنسان المعاصر الذي يتصور أن سعادته مرتبطة دائماً بإزالة المشقة من حياته، بينما تكشف الزيارة أن بعض التعب يمنح الإنسان معنى لا تمنحه له أوقات الراحة كلها.
غير أن فلسفة المشي لا تكتمل إذا اختزلناها في تحمل التعب. فالمهم ليس أن يمشي الإنسان، بل إلى أين يمشي، ولماذا يمشي، وما الذي يريد أن يصل إليه. فليست كل حركة تقدماً، ولا كل طريق هداية، ولا كل تعب دليلاً على صحة الوجهة. إن قيمة المشي إلى الحسين مستمدة من قيمة الحسين نفسه، ومن القضية التي نهض من أجلها، ومن الموقف الذي جسده حين رفض أن يجعل سلامته الشخصية أعلى من مسؤولية الحق.
وهنا يتحول السؤال من: لماذا يمشي الإنسان إلى الحسين؟ إلى سؤال أعمق: ماذا يعني أن يكون الإنسان في طريق الحسين؟
ليس طريق الحسين طريقاً جغرافياً ينتهي عند حدود كربلاء، بل هو اتجاه أخلاقي يحدد موقع الإنسان من الحق والباطل، ومن العدل والظلم، ومن الكرامة والخضوع. قد يصل الإنسان إلى ضريح الحسين ولا يكون في طريقه، وقد يبقى بعيداً عن كربلاء بجسده لكنه يقترب من الحسين بموقفه. فالطريق الحقيقي يبدأ حين يسأل الإنسان نفسه: إلى أي جهة أنتمي؟ وما القيم التي تحكم اختياراتي؟ ولمن أمنح ولائي العملي، لا العاطفي فقط؟
إن الإنسان لا يعيش بلا ولاء، حتى لو توهم أنه مستقل عن الجميع. فهو إما أن يجعل الحق مرجعه، أو يجعل المصلحة والهوى والخوف والقبول الاجتماعي مرجعاً له. وإما أن يسير في اتجاه يحرره من الطغيان، أو ينساق في اتجاه يمنح الطغيان شرعيته بصمته وخضوعه. ولذلك لم تكن قضية الحسين مجرد واقعة تاريخية يمكن للإنسان أن يتعاطف معها من الخارج، بل كانت امتحاناً دائماً للجهة التي يختار الإنسان أن يقف فيها.
ومن هنا فإن الزائر حين يقول إنه في طريق الحسين، لا ينبغي أن يفهم ذلك بوصفه وصفاً لمساره المكاني فقط، بل بوصفه إعلاناً عن وجهته في الحياة. إنه يقول إن الحسين ليس شخصاً يزوره ثم يعود منه كما كان، بل معيار يعيد من خلاله النظر في مواقفه. فهل يقف مع المظلوم حين تكون كلفة الوقوف معه مرتفعة؟ هل يرفض الفساد حين يحقق له الفساد منفعة؟ هل يحفظ كرامة الضعيف حين لا يراه أحد؟ هل يستطيع أن يقول للباطل: لا، حين يكون الصمت أكثر أماناً؟
بهذا المعنى تصبح زيارة الأربعين مواجهة مع أزمة الهوية التي يعانيها الإنسان المعاصر. فالإنسان اليوم قد يعرف تفاصيل كثيرة عن نفسه: وظيفته، جنسيته، دخله، مستواه الدراسي، ذوقه، فريقه الرياضي، حساباته الرقمية، وما يحب وما يكره، لكنه قد يعجز عن الإجابة عن السؤال الأهم: إلى أي مشروع أخلاقي أنتمي؟ ما القضية التي أستطيع أن أضحي من أجلها؟ وما الشيء الذي إذا خسرته شعرت أنني خسرت نفسي؟
لقد صنعت الثقافة الاستهلاكية إنساناً يعرف كيف يختار بين السلع، لكنه لا يعرف دائماً كيف يختار بين القيم. تمنحه عشرات الخيارات في الطعام واللباس والترفيه، لكنها تضعف داخله القدرة على اتخاذ المواقف الكبرى. فيصبح شديد الحساسية تجاه ما يمس راحته، قليل الحساسية تجاه ما يمس الحق والعدالة والكرامة. أما طريق الأربعين فيعيد ترتيب هذه الأولويات؛ لأنه يذكّر الإنسان بأنه ليس مجرد مستهلك يبحث عن الأفضل لنفسه، بل صاحب موقف ومسؤولية وانتماء.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات الزيارة: إنها احتجاج عملي على الفردانية التي تحاصر الإنسان داخل ذاته. فالفردانية لا تعني فقط احترام حرية الفرد وخصوصيته، فهذا أمر مشروع، وإنما تعني تحويل الذات إلى مركز تقاس به كل الأشياء. فيسأل الإنسان دائماً: ماذا سأربح؟ ماذا سيضاف إلى رصيدي؟ ما مقدار الراحة التي سأحصل عليها؟ وما الفائدة الشخصية التي ستعود إليّ؟
أما في طريق الحسين فتتغير اللغة. فالإنسان لا يسأل فقط: ماذا سأحصل؟ بل يسأل: ماذا أستطيع أن أقدم؟ والزائر الذي يمشي يجد آلاف الناس قد خرجوا من منازلهم ليخدموه، لا لأنهم يعرفونه، ولا لأنه سيكافئهم، ولا لأنه يمتلك منصباً أو جاهاً، بل لأنه زائر الحسين. والمضيف لا يرى في الآخر منافساً أو زبوناً أو وسيلة للربح، بل أمانة وفرصة للخدمة. وفي هذه المساحة يتراجع منطق السوق، ويظهر منطق العطاء.
إن منطق السوق ليس مذموماً في موضعه؛ فالبيع والشراء والعمل والتبادل ضرورات للحياة، لكن الخطورة أن يتحول هذا المنطق إلى تفسير شامل للعلاقات الإنسانية، بحيث لا يقدم الإنسان شيئاً إلا إذا ضمن المقابل. وعندها تذبل الرحمة، وتضعف الثقة، ويصبح المجتمع مجموعة أفراد متجاورين لا جماعة متعاونة. أما زيارة الأربعين فتقدم صورة مغايرة: الطعام يقدم بلا ثمن، والمكان يفتح بلا أجرة، والوقت يبذل بلا عقد، والإنسان يخدم من لا يعرفه ولا ينتظر منه جزاءً.
وهذا لا يعني أن طريق الأربعين عالم خالٍ من الأخطاء أو المظاهر السلبية، ولا أن كل من شارك فيه تحرر تماماً من الأنانية، لكن قيمة الظاهرة تكمن في أنها تكشف إمكانية قيام علاقة اجتماعية لا تتحكم فيها المصلحة المباشرة وحدها. إنها تقول إن الإنسان قادر على العطاء، وإن المجتمع قادر على بناء مساحات من الثقة، وإن الأخلاق يمكن أن تتحول من كلمات تلقى على المنابر إلى سلوك حي يراه الناس ويمارسونه.
وفي أثناء الطريق لا يسير الإنسان وحده، حتى لو جاء منفرداً. إنه يدخل في تيار بشري واسع، تختلط فيه الأعمار واللغات والقوميات والطبقات الاجتماعية. الغني يمشي إلى جانب الفقير، وصاحب المنصب يجلس إلى جانب العامل، والعراقي يستقبل القادم من بلد لم يزره في حياته، ويصبح الانتماء إلى الحسين جسراً يخفف كثيراً من الحواجز التي صنعتها المصالح والانقسامات.
وفي هذا المشهد يتعلم الإنسان أن ذاته ليست مكتفية بنفسها، وأنه يحتاج إلى الآخرين كما يحتاج الآخرون إليه. فقد يظن في حياته اليومية أنه مستقل، وأنه قادر على إدارة شؤونه وحده، لكن الطريق يعلمه أنه يشرب ماءً حمله غيره، ويستريح في مكان هيأه غيره، ويتلقى علاجاً من شخص لا يعرفه، وربما يمد يده ليساعد آخر تعثر في الطريق. وهنا تتحول الزيارة إلى درس في حقيقة الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً لا تكتمل حياته بالانعزال.
لكن يبقى السؤال الأصعب: هل يكفي أن يعيش الإنسان هذه المعاني أياماً معدودة ثم يعود إلى حياته القديمة؟ هل المقصود أن تكون الأربعين استثناءً جميلاً نخرج إليه من واقعنا ثم نعود إلى الواقع كما كان، أم أن الزيارة دعوة إلى نقل أخلاق الطريق إلى ما بعد الطريق؟
هذا السؤال ضروري لحماية الزيارة من أن تتحول إلى تجربة وجدانية منفصلة عن الحياة. فالإنسان قد يخدم الزائر بحماسة، لكنه يسيء إلى موظفيه وعماله. وقد يفتح بيته للغرباء في أيام الزيارة، لكنه يغلق قلبه عن قريبه الفقير. وقد يتحمل مشقة الطريق، لكنه لا يتحمل مسؤولية صغيرة في أسرته أو عمله. وقد يبكي على مظلومية الحسين، ثم يمارس الظلم حين تتاح له القدرة.
وهنا لا يكون النقد موجهاً ضد الشعيرة، بل من داخل منطقها؛ لأن الشعيرة العظيمة لا تخشى الأسئلة، وإنما تفقد شيئاً من عظمتها حين نجعلها معفاة من الأثر. إن الزيارة لا يراد لها أن تظل حركة جسد لا تصل إلى الضمير، ولا أن تتحول إلى مناسبة يهدأ فيها الإنسان عاطفياً ثم يستأنف حياته من دون مراجعة.
فإذا كان الحسين قد رفض أن يفصل الإيمان عن الموقف، فكيف يمكن لزائره أن يفصل الزيارة عن السلوك؟ وإذا كانت كربلاء قد كشفت أن الادعاء وحده لا يكفي، وأن كثيراً ممن عرفوا مقام الحسين لم ينصروه، فإن زيارة الأربعين ينبغي أن تعيد إلى الإنسان السؤال نفسه: هل أنا مع الحسين في عاطفتي فقط، أم معه حين يطالبني الحق بتغيير عادة، أو ترك منفعة محرمة، أو مقاومة ظلم، أو الاعتراف بخطأ؟
إن المشي الحقيقي لا ينتهي عند الضريح، بل يبدأ منه. فالزائر يصل إلى الحسين ليعود إلى الحياة أكثر قدرة على مقاومة ما يناقض الحسين. يصل ليخرج من عبودية راحته، ومن أسر أنانيته، ومن تردده أمام الحق. يصل ليعرف أن الإنسان لا يصنعه ما يقوله عن نفسه، بل ما يختاره حين تتعارض المصلحة مع المبدأ.
ولهذا قد تنتهي رحلة القدمين حين يعود الزائر إلى بيته، لكن زيارة الوعي لا ينبغي أن تنتهي. بل إن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد العودة، حين تزول أجواء الطريق، وتنتهي المواكب، ويعود الإنسان إلى السوق والدائرة والبيت والشارع، حيث لا يسمع الهتافات ولا يرى الحشود، ولا يجد من يذكره في كل لحظة بأنه زائر الحسين.
هناك فقط يظهر ما إذا كان الطريق قد ترك فيه أثراً. يظهر في أمانته حين يستطيع الغش، وفي عدله حين يغضب، وفي رحمته حين يملك القوة، وفي وفائه حين تصبح الخيانة أسهل، وفي شجاعته حين يكون الصمت أكثر نفعاً له. فليس المطلوب أن يبقى الإنسان ماشياً على قدميه طوال العام، بل أن يبقى قلبه متجهاً إلى الجهة التي مشى إليها.
إن الإنسان يمشي إلى الحسين لأنه يحتاج أحياناً إلى أن يعيد اكتشاف نفسه خارج العادات التي صنعتها الحياة اليومية. يمشي ليعرف أنه ليس عبداً للراحة، ولا أسيراً للمصلحة، ولا كائناً منفصلاً عن الآخرين، ولا رقماً في مجتمع استهلاكي. يمشي لأنه يريد أن يقول إن في الحياة معاني تستحق أن يتعب من أجلها، وإن الهوية ليست ما نرفعه من شعارات، بل ما نسلكه من طرق.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً بعد كل زيارة ليس: كم خطوة قطعنا؟ ولا كم يوماً مشينا؟ ولا كم مرة وصلنا إلى كربلاء؟ بل: إلى أي حد أصبح الحسين حاضراً في الطريقة التي نعيش بها؟
فقد يصل الجسد إلى كربلاء ويبقى الوعي بعيداً عنها، وقد تنتهي رحلة الطريق ويبقى الإنسان واقفاً في مكانه. أما الزيارة التي تستحق اسمها، فهي التي تجعل الإنسان حين يعود من الحسين أقل خضوعاً لهواه، وأكثر حساسية تجاه الظلم، وأشد استعداداً للعطاء، وأوضح معرفة بالجهة التي ينتمي إليها.
عندها فقط لا يكون المشي إلى الحسين حركة عابرة في موسم، بل يصبح طريقاً للحياة.