رجوع
زيارة الأربعين: كيف هزمت ذاكرة الحسين سلطة قاتليه؟

زيارة الأربعين: كيف هزمت ذاكرة الحسين سلطة قاتليه؟

الشيخ معتصم السيد أحمد

قد تستطيع السلطة أن تقتل الإنسان، لكنها لا تستطيع دائماً أن تقتل المعنى الذي يمثله. وقد تنجح في حسم المعركة بالسيف، لكنها تفشل في كتابة خاتمتها التاريخية. وهذا ما حدث في كربلاء؛ فقد امتلك الحكم الأموي الجيش والمال والمنابر وأجهزة الدولة، بينما وقف الحسين بن علي عليه السلام في جماعة قليلة، محاصراً في أرض بعيدة، لا يملك من وسائل القوة المادية ما يغير به موازين الميدان.

وبحسب الحساب العسكري المباشر، انتهت المعركة بمقتل الحسين وأهل بيته وأصحابه، وسبي نسائه، وعودة جيش السلطة معلناً انتصاره. لكن ما جرى بعد ذلك كشف أن السلطة لم تكن تملك المعركة كلها، بل كانت تملك جانبها المسلح فقط. فقد استطاعت أن تتحكم في الأجساد، لكنها لم تستطع أن تتحكم في معنى الدم الذي أراقته. واستطاعت أن تعرض الرؤوس في المدن، لكنها لم تستطع أن تمنع تلك الرؤوس من التحول إلى شاهد دائم على جريمتها.

ومن هنا يمكن فهم زيارة الأربعين بوصفها أكثر من تجمع ديني يستعيد ذكرى مأساة وقعت قبل قرون؛ إنها إعلان متجدد أن المعركة التي أراد قاتلو الحسين إغلاقها في كربلاء لم تنتهِ بالنتيجة التي أرادوها، وأن الحسين الذي حاولت السلطة عزله عن الأمة أصبح بعد استشهاده أكثر حضوراً في ضميرها.

فكل خطوة تتجه إلى كربلاء تقول إن القوة لم تستطع فرض روايتها، وإن الحكم الذي أراد تصوير الحسين خارجاً على النظام انتهى هو في قفص الاتهام، بينما تحول الحسين إلى معيار تحاكم به الأجيال معنى النصر والهزيمة، والحق والباطل، والسلطة والموقف.

من يملك حق كتابة التاريخ؟

لا تكتفي السلطات عادة بصناعة الحدث، بل تحاول كذلك أن تصنع تفسيره. فالسلطة لا تقول إنها ظلمت، وإنما تمنح ظلمها أسماء تبدو مقبولة: حفظ الأمن، ومنع الفتنة، وصيانة وحدة المجتمع، والدفاع عن الدولة. وبهذه اللغة حاول الحكم الأموي أن يقدم الحسين بوصفه رجلاً خرج على الجماعة وهدد استقرار الأمة.

فإذا قُبلت هذه الرواية، أصبح الحسين هو المسؤول عن الدماء، وأصبح قاتلوه جنوداً نفذوا واجبهم في حماية النظام. وهكذا لا يكون أخطر ما تفعله السلطة قتل خصومها، بل قدرتها على جعل المقتول متهماً والقاتل حارساً للقانون.

لكن الرواية الأموية اصطدمت منذ اللحظات الأولى بصوت لم تستطع إسكاتَه. فقد حملت السيدة زينب والإمام زين العابدين عليهما السلام حقيقة كربلاء إلى الكوفة والشام، وحوّلا مجلس المنتصر إلى محكمة أخلاقية. لم يقفا أمام السلطة بوصفهما أسيرين يطلبان الرحمة، بل بوصفهما شاهدين يكشفان الجريمة ويمنعان القاتل من احتكار تفسيرها.

لقد أرادت السلطة أن تعرض السبايا دليلاً على قوتها، فتحول حضورهم إلى فضيحة تكشف وحشيتها. وأرادت أن تجعل رأس الحسين علامة على نهاية التمرد، فأصبح علامة على سقوط شرعية الحكم. ومنذ ذلك الوقت بدأ الصراع الحقيقي بين روايتين: رواية السلطة التي أرادت أن تجعل كربلاء حادثة أمنية منتهية، ورواية الذاكرة التي جعلتها سؤالاً مفتوحاً عن الحق والكرامة ومسؤولية الأمة.

ومع مرور الزمن، سقطت الدولة الأموية، وانتهت جيوشها وقصورها ومنابرها، بينما بقي الحسين. لم يبق لأنه انتصر في ميزان السلاح، بل لأنه امتلك الحقيقة الأخلاقية التي لم تستطع القوة محوها.

كيف هزمت الذاكرة سلطة السيف؟

قد يبدو الحديث عن انتصار الذاكرة تعبيراً عاطفياً، لكن الذاكرة ليست مجرد استحضار للماضي، بل قوة تعيد تحديد معنى الأحداث. فالسلطة تستطيع إجبار الناس على الصمت، لكنها لا تستطيع دائماً إجبارهم على الاقتناع. ويمكنها أن تمنع الرواية فترة، لكنها لا تضمن بقاء تفسيرها بعد زوال الخوف.

لقد انتصر قاتلو الحسين في أرض المعركة، لكنهم فشلوا في إقناع الأمة بأن قتله كان عدلاً أو ضرورة. وحتى من حاول الدفاع عن الحكم الأموي اضطر غالباً إلى التنصل من الجريمة، أو إلقاء مسؤوليتها على بعض القادة؛ لأن كربلاء كانت أكبر من أن تحملها أي شرعية.

والسبب أن الحسين لم يترك للسلطة أن تحدد معنى المعركة. أرادت أن تجعلها مسألة طاعة وخروج على الحاكم، فجعلها الحسين مسألة حق وباطل. وأرادت أن تجعلها تمرداً يهدد الاستقرار، فجعلها شهادة على انحراف الحكم. وأرادت أن تحاصرها في صحراء كربلاء، ففتحها على التاريخ كله.

وهذه من أعظم صور النصر: أن لا تسمح لخصمك بأن يفرض لغته على المعركة. فالإنسان قد يُهزم حين يتبنى معايير خصمه، ولو بقي حياً، وقد ينتصر حين يحفظ معنى موقفه، ولو سقط جسده في الميدان.

كان يزيد يريد أن يكون السؤال: هل نجح الحسين في الوصول إلى الحكم؟ لكن الحسين جعل السؤال: هل كان يجوز له أن يعترف بحكم يزيد؟ وبذلك لم تعد النتيجة مرتبطة بعدد الجنود الذين نجوا، بل بالموقف الذي حفظ للحق معناه.

الأربعين شاهد على فشل محو الذاكرة

تمثل زيارة الأربعين اليوم الدليل الأكبر على أن مشروع محو كربلاء قد فشل. فالسلطة التي حاولت منع الناس من الالتفاف حول الحسين لم تعد موجودة، بينما تتجه الملايين إلى قبره كل عام. والاسم الذي أراد الأمويون تقديمه بوصفه خطراً على الدولة أصبح رمزاً للكرامة، بينما ارتبط اسم قاتليه بالغدر والجريمة.

وليس المهم هنا مجرد ضخامة العدد، بل دلالة الاستمرار. فقد لا يكون التجمع العابر دليلاً على قوة الفكرة، لكن بقاء الزيارة عبر القرون، مع تعرضها في مراحل كثيرة للمنع والقمع، يكشف أن الحسين لم يعد مجرد شخصية تاريخية، بل أصبح جزءاً من تكوين الوعي.

والذاكرة الحسينية لم تُحفظ في الكتب فقط، بل حُفظت في المجالس والزيارات والشعر والبكاء والخدمة والمسير. أي إنها لم تبقَ معرفة نخبوية يحتفظ بها المؤرخون، بل تحولت إلى ذاكرة شعبية تشارك الأجيال كلها في حملها.

وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن الحقيقة إذا بقيت في صفحات الكتب قد تُحاصر أو تُنسى، أما إذا تحولت إلى ممارسة اجتماعية متكررة فإنها تصبح أقوى من الرقابة. فكل مجلس يعيد رواية كربلاء، وكل زيارة تتجه إلى الحسين، وكل أب يروي لابنه ما جرى، يعيد بناء الذاكرة ويمنع السلطة من طي الصفحة.

ولذلك لم تكن محاولات بعض الحكام منع الزيارة مسألة متعلقة بحركة الناس إلى قبر فحسب، بل كانت محاولة لقطع الصلة بين الأمة وذاكرتها. فقد أدركوا أن الذي يتذكر الحسين يصعب عليه أن يقتنع بأن الغلبة وحدها تصنع الحق.

الذاكرة التي تحاكم الحاضر

لكن قيمة الذاكرة لا تكمن في قدرتها على حفظ الماضي فقط، بل في قدرتها على إضاءة الحاضر. فالذاكرة التي لا تنتج بصيرة قد تتحول إلى حنين، والذكرى التي لا تمنح الإنسان معياراً لقراءة واقعه قد تصبح منفصلة عن القضية التي تستحضرها.

إن زيارة الأربعين لا تطلب من الإنسان أن يعيش في القرن الأول الهجري، ولا أن يكرر صور كربلاء بطريقة سطحية على كل واقعة معاصرة. لكنها تمنحه مفاتيح لفهم السنن التي تتكرر: سلطة تريد أن تجعل الطاعة أعلى من الحق، ومصالح تدفع الناس إلى الصمت، وخوف يجعل الكثيرين ينتظرون نتيجة المعركة قبل أن يحددوا موقفهم، وقلة ترفض أن تبيع ضميرها.

ومن هنا فإن الحسين لا يتحول إلى قوة تاريخية لمجرد أن الناس يبكون عليه، بل حين يصبح موقفه ميزاناً يحاكمون به أنفسهم وواقعهم. فالمطلوب ليس فقط أن نسأل: لماذا خذل أهل الكوفة الحسين؟ بل أن نسأل: كيف يتكرر الخذلان حين يعرف الإنسان الحق ولا ينصره خوفاً على مصلحته؟

والمطلوب ليس فقط أن ندين الذين برروا جريمة كربلاء، بل أن نكتشف قدرتنا نحن على تبرير الظلم إذا صدر ممن نحب، أو إذا كان الاعتراف به مكلفاً. فذاكرة الحسين لا تكون حية إذا استخدمناها لإدانة الماضي، ثم عطّلنا معاييرها في الحاضر.

كيف تجاوز الحسين حدود المذهب؟

زيارة الأربعين شيعية الهوية بوضوح، فقد حفظها أتباع أهل البيت عليهم السلام، ودفعوا أثماناً كبيرة من أجل إبقاء ذكر الحسين حياً. وليس من الإنصاف أن تُخفى هذه الهوية أو تُذاب طلباً لقبول الآخرين. لكن الخصوصية المذهبية لا تمنع الرسالة الحسينية من حمل معنى إنساني واسع.

فالحسين لم يصبح رمزاً عالمياً لأنه جُرّد من عقيدته ودينه، بل لأن الموقف الذي جسده يستطيع الإنسان، مهما اختلفت ثقافته، أن يدرك قيمته: أن يرفض المرء بيع ضميره، وأن يحفظ كرامته أمام الإكراه، وأن يقف مع الحق ولو كان وحيداً، وأن لا يقيس الصواب بعدد الأنصار.

إن عالمية الحسين لا تعني تحويله إلى شعار إنساني عام خالٍ من مضمونه الإسلامي، بل تعني أن القيم التي أنتجها انتماؤه الديني قادرة على مخاطبة الفطرة الإنسانية. فالعالم لا يحتاج إلى حسين منزوع الهوية، وإنما يحتاج إلى التعرف على الحسين كما هو: إماماً مسلماً نهض دفاعاً عن الدين والعدل وكرامة الأمة.

ولهذا نجد في زيارة الأربعين بشراً من قوميات ولغات وبلدان متعددة، بل ومن أديان مختلفة أحياناً، يلتقون عند كربلاء. وما يجمعهم ليس مصلحة سياسية أو اقتصادية، بل اعتراف بأن موقف الحسين يحمل شيئاً أكبر من الحدود التي تفصل بينهم.

من كربلاء إلى ضمير العالم

لم تعد كربلاء اسماً لمكان فقط، بل أصبحت رمزاً لنمط من المواجهة: مواجهة الضمير مع الإكراه، والكرامة مع الذل، والحق الذي يبدو ضعيفاً مع القوة التي تبدو مطلقة. ولهذا استطاعت قصة الحسين أن تجد طريقها إلى ضمير الإنسان؛ لأنها تطرح سؤالاً لا ينتمي إلى عصر واحد: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح ثمن السلامة أن يعترف بالباطل؟

ومع ذلك، فإن عالمية كربلاء لا تعني تشبيه كل صراع بها، ولا منح كل معارض مقام الحسين. فليس كل صراع بين ضعيف وقوي صراعاً بين الحق والباطل، وقد يكون الضعيف ظالماً كما يكون القوي ظالماً. لكن كربلاء تقدم المعايير التي تساعد الإنسان على التمييز: ما القضية؟ وما الموقف؟ ومن يدفع الثمن؟ وهل الهدف هو إصلاح الناس أم الوصول إلى القوة؟

إن الحسين لا يعلمنا الانحياز إلى المهزوم لمجرد هزيمته، بل يعلمنا أن الحق لا يصبح باطلاً لأنه هُزم، وأن الباطل لا يصبح حقاً لأنه انتصر. وهذه الفكرة وحدها كافية لتحرير الإنسان من الخضوع للصورة التي يصنعها الأقوياء عن أنفسهم.

ذاكرة لا تسكن الماضي

زيارة الأربعين ليست استدعاءً للماضي كي نهرب من الحاضر، بل استدعاء للماضي كي لا يصبح الحاضر بلا معيار. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يسهل على القوة أن تقنعه بأن ما يراه هو الوضع الطبيعي، وأن الظلم لا بديل له، وأن المنتصر هو صاحب الحق.

أما الذاكرة الحسينية فتمنع الإنسان من التسليم بهذه المعادلة. إنها تذكره بأن سلطة امتلكت كل وسائل القوة سقطت، وأن رجلاً حوصر مع أهل بيته بقي أقوى حضوراً من الذين قتلوه. وتعلمه أن الزمن لا يحفظ دائماً أسماء أصحاب العروش، لكنه يحفظ أحياناً موقف من رفض الانحناء لهم.

لقد امتلك قاتلو الحسين أرض كربلاء ساعات، لكن الحسين امتلك معناها قروناً. وانتهت دولتهم، وبقي طريقه مفتوحاً. وانطفأت منابرهم، وبقي صوته. وتفرقت جيوشهم، وبقيت رايته تجمع الملايين.

أرادوا أن يجعلوا كربلاء نهاية، فجعلتها الذاكرة بداية دائمة. وأرادوا أن يكون الحسين مثالاً لمن يعارض السلطة فيُقضى عليه، فأصبح مثالاً على أن السلطة قد تقضي على الجسد ثم تعجز أمام الموقف.

ولهذا لا تتجه الجموع إلى كربلاء لتزور ماضياً ميتاً، بل لتعلن أن المعنى الذي استشهد الحسين من أجله ما يزال حياً، وأن الحدود لا تستطيع احتواءه، وأن القوة لا تستطيع امتلاكه، وأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم.

فزيارة الأربعين ليست فقط دليلاً على أن الناس لم ينسوا الحسين، بل دليلاً على أن الحسين ما يزال يعل

م الناس كيف يتذكرون، وكيف يميزون بين النصر الذي تصنعه السيوف، والنصر الذي يكتبه التاريخ.

مشاركة: