رجوع
أمة تفقد ظلها: كيف نعالج أزمة "فقدان الثقة بالذات" في واقعنا الإسلامي؟

أمة تفقد ظلها: كيف نعالج أزمة "فقدان الثقة بالذات" في واقعنا الإسلامي؟

الشيخ مصطفى الهجري

إنّ المتأمل بعين البصيرة في واقع الأمة الإسلامية اليوم، يكتشف بلا عناء أنّ هناك أكثر من مرض عضال عانت ولا تزال تعاني منه على مرّ حقبها التاريخية. واشتراك الأمم في الأمراض أمر طبيعي وسنة من سنن التاريخ؛ لأنّ أمراض الأمم والشعوب، وإن اختلفت شدة وضعفاً، إلا أنها تقود إلى نتيجة حتمية إذا ما استفحلت. فكما أنّ الفرد تنتهي حياته بالموت المحتوم مصداقاً لقوله عزّ وجلّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧]، فإنّ الأمة أيضاً ـ طال بقاؤها أم قصر ـ ستنتهي بالموت الحضاري والاندثار، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤]. 

ومن أخطر هذه الأمراض وأشدّها فتكاً بالأمة وكيانها الحضاري في عصرنا الراهن هو مرض "فقدان الثقة بالذات". 

غياب المناعة الحضارية ومأساة الغثائية

تعيش الأمة اليوم حالة من الاستلاب والضياع والاهتزاز وعدم التوازن. ومعلومٌ أنّ الثقة بالنفس هي الحصن المنيع و"جهاز المناعة" للأمة، فإذا فقدته أصبحت عرضة لهجوم الفيروسات الانتهازية، وللغزو الثقافي والمعنوي بل والعسكري. إنها لمأساة ما بعدها مأساة أن ترى أمة يناهز عديدها المليار والنصف، وتملك الإمكانيات الهائلة، ومع ذلك لا ترى لها وزناً ولا حضوراً يليق بها على الساحة العالمية، وإنّما يُنظر إليها باعتبارها دُوَلاً مستهلكة ونامية. 

إن هذا المرض ليس وليد اللحظة، بل له جذور في التاريخ الإسلامي. ولعل ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت من أعظم مشاريع إيقاظ الأمة والعودة إلى الذات. تتجلى صورة هذا المرض بوضوح في مأساة سفيره مسلم بن عقيل في الكوفة؛ حيث بايعه ثمانية عشر ألفاً، وامتلأ المسجد والسوق بالناس، حتى ضاق بهم عبيد الله بن زياد ذرعاً وهو لا يملك سوى خمسين رجلاً. لكن، وبسبب سياسة التخذيل والتخويف وشراء الذمم، تبخر هؤلاء الآلاف بين ليلة وضحاها، ليجد مسلم نفسه وحيداً فريداً تائهاً في أزقة الكوفة يطرق باب امرأة صالحة تُدعى "طوعة". أين ذهبت شجاعتهم وسيوفهم؟ لقد غدوا أمة فقد كل فرد فيها ثقته بنفسه وبالآخرين، فأصبح خائفاً متردداً لا يتحمل مسؤولية، ولا يعنيه انتهاك القيم والمبادئ. 

أعراض المرض: انفصام وهروب وانهيار قيمي

إن لفقدان الثقة بالذات تداعيات وأخطاراً سلبية تنهش في كيان الأمة، وتظهر في أعراض واضحة يمكن رصدها قديماً وحديثاً: 

أولاً: الازدواجية وانفصام الشخصية. حيث يعيش الفرد حالة من التناقض بين ما يعلم وما يعمل، وهو ما حذر منه القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وأبلغ تعبير عن هذه الازدواجية ما قاله الفرزدق للإمام الحسين (عليه السلام): «قلوبهم معك وسيوفهم عليك». وهي مقولة تعكس حال الأمة اليوم بشكل دقيق، فقلوب مئات الملايين مع المستضعفين في فلسطين، لكن سيوفهم ومقدراتهم في خدمة أعداء الأمة. ويمثل عمر بن سعد نموذجاً صارخاً لهذه الازدواجية حين أنشد قائلاً: «أأترك مُلكَ الريّ والريّ منيتي أم أرجع مأثوماً بقتل حسين». 

ثانياً: الهروب من المسؤوليات. وتتجلى في تخاذل الناس عن نصرة الحق خوفاً على مصالحهم. كما فعل عبيد الله بن الحر الجعفي الذي فرّ من الكوفة كراهة أن يدخلها الحسين وهو بها، وحين دعاه الإمام لنصرته اعتذر وعرض عليه فرسه، فأجابه الإمام: «لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك، وما كنت متخذ المضلين عضداً». 

ثالثاً: الخوف من المواجهة الفكرية. الفاقد لثقته يتهرب من الحوار، ويعتمد أسلوب التشويش والتعمية، كما حكى القرآن عن المشركين: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. بل يصل الأمر إلى تجميد العقل وسد الآذان كما فعل أسعد بن زرارة حين وضع القطن في أذنيه خوفاً من سماع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لولا أن تداركته صحوة من عقله. 

رابعاً: انهيار منظومة القيم وهدر الطاقات. فقدان الثقة يجعل الإنسان عرضة للتفلت الأخلاقي ويستسهل ارتكاب الفظائع، مما حدا بالإمام الحسين لاستصراخ ضميرهم يوم عاشوراء قائلاً: «إن لم يكن لكم دين ولا تخافون يوم المعاد فكونوا أحراراً ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهالكم». وفي عصرنا، أدى هذا الانهيار إلى هدر الطاقات وهجرة عشرات الآلاف من أصحاب العقول المبدعة إلى الغرب بحثاً عن العيش الكريم. 

كيف وصلنا إلى هذا المنحدر؟ (أسباب المرض)

إن هذا الانحدار ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج مسار تراكمي وأساليب استبدادية مدروسة: 

  1. سياسة التعتيم والتلبيس: عبر إخفاء الحقائق ومنع تدوين العلم النافع، مما أنتج جهلاً مركباً. حتى وصل الحال بأهل الشام أن يسأل أحدهم: «مَنْ أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصاً من لصوص الفتن!». وقد حذر القرآن من هذا التلبيس قائلاً: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]. 

  2. المخدرات الدينية (عقيدة الجبر): وهي الأسوأ، حيث تم الترويج لعقيدة تسلب إرادة الإنسان لتبرير جرائم السلطة، وقد ذُكر في التاريخ «أنّ معاوية أول من زعم أن الله يريد أفعال العباد كلّها»، وكانوا يبررون المظالم قائلين: «.. وإنّ أمر يزيد قد كان قضاءً من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم». 

  3. شراء الضمائر واغتيال الطاقات: من خلال الإغراءات المادية والمناصب، فضلاً عن التصفية الجسدية والمعنوية للمصلحين. كدسّ السم لمالك الأشتر حيث قيل: «سمّه معاوية في العسل، ولما بلغه الخبر، قال: إنّ لله جنوداً من العسل». وتشويه السمعة هو اغتيال معنوي مارسته الأمم السابقة مع الأنبياء: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. 

  4. الحروب الداخلية العبثية: التي استنزفت الطاقات وأوجدت حالة من اليأس. وكما حدث في الماضي، يعمل الاستكبار العالمي اليوم على إدخال أمتنا في حروب بينية عبثية لا هدف لها سوى تبديد الثروات وإلهاء الأمة.

إنّ استعادة الأمة لعافيتها يتطلب مشروعاً نهضوياً شاملاً يعيد زرع الثقة في النفوس، ويحيي منظومة الفضيلة، وينبذ الازدواجية والمخدرات الفكرية التي شلت إرادة المسلمين عقوداً طويلة. نحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى يقظة حقيقية تخرجنا من حالة الغثائية إلى ريادة الأمم. 

مشاركة: