الشيخ معتصم السيد أحمد
كثيرٌ من النقاشات الحديثة حول الدين والإيمان تنطلق من افتراضٍ لا يكاد يُلتفت إليه، مع أنه هو الذي يحدد مسار النقاش كله ونتائجه النهائية. هذا الافتراض يتمثل في النظر إلى الله بوصفه "موضوعاً للمعرفة" كسائر الموضوعات الأخرى التي يتعامل معها العقل الإنساني. فكما يدرس الإنسان المادة والطبيعة والتاريخ والإنسان، يفترض بعض الفلاسفة أن عليه أن يدرس الله بالطريقة نفسها، وأن يخضعه للآليات ذاتها التي يخضع لها سائر الأشياء. ومن هنا تنشأ أسئلة كثيرة من قبيل: هل يمكن تعريف الله؟ وهل يمكن تصوره؟ وهل يمكن تكوين مفهوم واضح عنه؟ وإذا كان متعالياً عن الزمان والمكان والحدود والصفات البشرية، فهل يبقى للكلام عنه معنى؟
وربما يبدو هذا المنهج بديهياً للوهلة الأولى، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن السؤال نفسه قد يكون مبنياً على افتراض غير صحيح. فقبل أن نسأل: كيف نعرف الله؟ ينبغي أن نسأل أولاً: هل معرفة الله من جنس معرفتنا بالأشياء أصلاً؟
إن الإنسان حين يعرف شيئاً من الأشياء، فإنه يحوله إلى مفهوم ذهني. فالعقل يتعامل مع الموجودات من خلال التصور والتحديد والتمييز. ولكي يصبح الشيء معلوماً للعقل، لا بد أن يقع ضمن حدود معينة يمكن للعقل أن يحيط بها أو أن يشير إليها أو أن يقارنها بغيرها. وهذا النمط من المعرفة ينجح في التعامل مع الموجودات المحدودة التي تشترك في خصائص وعلاقات يمكن للعقل أن يرصدها ويصنفها.
أما حين ينتقل الحديث إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الأمر يختلف من أساسه. فالله ليس جزءاً من العالم حتى يخضع للقوانين التي تخضع لها أجزاء العالم، وليس موجوداً ضمن سلسلة الموجودات حتى يعامل معاملة الموجودات الأخرى. إنه أصل الوجود لا فرد من أفراده، ومصدر الحقيقة لا حالة من حالاتها، والقيّوم الذي يفتقر إليه كل شيء في وجوده، ولا يفتقر هو إلى شيء.
ومن هنا يظهر الخلل في كثير من المقاربات الفلسفية الحديثة. فهي تتعامل مع الله كما لو كان موضوعاً يقع أمام العقل ليقوم العقل بتشريحه وتحليله وتحديد ماهيته. وحين تعجز هذه الآليات عن الإحاطة به، تُستنتج النتيجة المعاكسة، وهي أن الحديث عنه أصبح غامضاً أو فارغاً من المعنى.
غير أن هذه النتيجة لا تثبت عجز الدين عن الحديث عن الله، وإنما تثبت عجز المنهج المستخدم عن التعامل مع حقيقة تتجاوز حدوده الطبيعية.
إن الإنسان يدرك في حياته اليومية حقائق كثيرة من دون أن يحيط بها إحاطة مفهومية كاملة. فهو يدرك وجود ذاته قبل أن يعرف تعريفاً فلسفياً للذات. ويدرك وجود الوعي قبل أن يتمكن من تفسيره تفسيراً نهائياً. ويدرك العقل الذي يفكر به من دون أن يستطيع أن يحوله إلى موضوع خارجي يحيط به من جميع الجهات. بل إن الإنسان يعيش حقائق كثيرة قبل أن يصوغها في مفاهيم وألفاظ.
فإذا كان الأمر كذلك في بعض المخلوقات، فلماذا نفترض أن معرفة الله لا تكون ممكنة إلا إذا تحولت إلى مفهوم عقلي محدود؟
إن القرآن الكريم يقدم تصوراً مختلفاً تماماً عن هذه الرؤية. فهو لا يتحدث عن الله بوصفه مجهولاً مطلقاً يحتاج إلى اكتشاف، بل بوصفه الحقيقة الأقرب إلى الإنسان والأشد حضوراً في وجوده. ولذلك لا يعتمد القرآن منهج البحث عن الغائب، بل منهج التذكير بما هو حاضر. ولهذا تتكرر في آياته مفردات الذكر والتذكرة والتذكير، وكأن المشكلة ليست في غياب الحقيقة، وإنما في غفلة الإنسان عنها.
وعندما يصف القرآن مهمة الأنبياء، فإنه لا يقدمهم بوصفهم مكتشفي حقيقة مجهولة، بل بوصفهم موقظين للوعي الإنساني، ومنبهين لما أودعه الله في الفطرة من معرفة به. وهذا المعنى يتجلى في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام عندما يصف وظيفة الرسل بأنهم جاءوا ليستأدوا الناس ميثاق فطرتهم ويثيروا لهم دفائن العقول.
وبناءً على ذلك، فإن معرفة الله ليست انتقالاً من الجهل المطلق إلى العلم المطلق، وإنما هي انتقال من الغفلة إلى التذكر، ومن الحجاب إلى الانكشاف، ومن الانشغال بالمظاهر إلى الالتفات إلى الحقيقة التي تقوم عليها تلك المظاهر كلها.
ولهذا السبب أيضاً، لا تكون آيات الكون دليلاً على الله بالمعنى الشائع للكلمة، وكأنها أشياء مستقلة تكشف عن حقيقة مجهولة وراءها، بل هي منبهات توقظ المعرفة الفطرية الكامنة في الإنسان. فالعالم لا يمنح الله ظهوره، لأن الله أظهر من العالم نفسه، وإنما يوقظ في الإنسان القدرة على رؤية هذا الظهور.
ومن أروع ما عبّر عن هذه الحقيقة الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة حين قال: "متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟".
إن هذه الكلمات لا تحمل معنى وجدانياً فحسب، بل تنطوي على رؤية معرفية عميقة. فالدليل عادةً يكون أوضح من المدلول عليه، والمُعرِّف يكون أكثر ظهوراً من المعرَّف. أما إذا كان الله هو مصدر ظهور كل شيء، فكيف يكون ما سواه أظهر منه حتى يعرّف به؟
إن كثيراً من الجدل الحديث حول الدين ينشأ من محاولة قلب هذه المعادلة. فبدلاً من النظر إلى الله بوصفه أصل الظهور، يُنظر إليه بوصفه موضوعاً يحتاج إلى إظهار. وبدلاً من اعتباره الحقيقة التي تقوم عليها المعرفة كلها، يُعامل بوصفه قضية تنتظر البرهنة من خارجها.
وهنا يقع العقل في مفارقة عجيبة؛ لأنه يحاول أن يجعل ما هو فرع أساساً، وما هو قائم بالله قائماً بنفسه، ثم يطلب منه أن يكشف عن الله.
إن المشكلة ليست في أن الله متعالٍ أكثر مما ينبغي، ولا في أن التنزيه أفرغه من المعنى كما يتصور بعض النقاد، بل في أن بعض المناهج المعاصرة لا تعرف من المعرفة إلا ما يمكن تحويله إلى مفهوم أو صورة ذهنية. أما ما يتجاوز حدود المفهوم، فإنها تميل إلى اعتباره غامضاً أو غير قابل للمعرفة.
لكن الحقيقة أن عدم الإحاطة ليس مرادفاً لعدم المعرفة. فالإنسان يستطيع أن يعرف من دون أن يحيط، وأن يدرك من دون أن يستوعب، وأن يشهد الحقيقة من دون أن يحولها إلى مفهوم محدود.
ومن هنا كان التنزيه في الرؤية الإسلامية ليس عائقاً أمام معرفة الله، بل هو الشرط الضروري لصحة هذه المعرفة. فكلما ازداد الإنسان تنزيهاً لله، ازداد وعياً بأن الله ليس شيئاً من الأشياء، ولا موضوعاً من موضوعات العالم، ولا مفهوماً من مفاهيم العقل، بل هو الحقيقة التي بها تقوم الأشياء كلها، والنور الذي تستمد منه الموجودات ظهورها ومعناها.
ولعل السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: هل نستطيع أن نحيط بالله بمفاهيمنا؟ بل: لماذا نفترض أصلاً أن الحقيقة المطلقة يجب أن تنحصر داخل مفاهيمنا حتى تكون معروفة؟
إن الله في الرؤية القرآنية ليس موضوعاً للمعرفة بالمعنى الذي تكون فيه الأشياء موضوعات للمعرفة، بل هو أصل كل معرفة، والحقيقة التي بها تُعرف الأشياء جميعاً. وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة، ينتقل من محاولة الإمساك بالله داخل حدود العقل، إلى محاولة تحرير العقل نفسه من الأوهام التي تحجبه عن رؤية ما هو أظهر من كل ظاهر، وأقرب من كل قريب.