الشيخ مصطفى الهجري
يحكي الأديب الروسي دوستويفسكي في رواية "الإخوة كارامازوف" قصة ثلاثة إخوة لكل منهم فلسفة حياة مختلفة: الأول عاطفي متهور، والثاني مثقف شكاك، والثالث رجل دين ورع. القصة تناقش أعمق الأسئلة الوجودية، مثل: هل يمكن أن يصدر فعل الخير من دون الإيمان؟ وهل الإنسان حر حقيقة في اختياراته؟
هذه الأسئلة التي طالما سألها الإنسان على طول خط وجوده على هذا الكوكب، لا تزال تشكل المحور الأساسي الذي تدور حوله رحى الفلسفات القديمة والمعاصرة. إن الوقوف أمام هذه التساؤلات ليس مجرد ترف فكري، بل هو غوص في صميم "الرؤية الكونية" التي تحدد بوصلة المجتمعات وتشكل البنية التحتية للأخلاق والقانون. ومن خلال البحث التاريخي المقارن والتحليل النصي الدقيق للتراث الإنساني والديني، نجد أن الإجابة عن هذه المعضلات هي التي تحدد مصير الحضارات إما نحو الارتقاء أو نحو العدمية.
أولاً: هل يمكن أن يصدر فعل الخير من دون الإيمان؟
يجسد شخصية "إيفان" (المثقف الشكاك) في رواية دوستويفسكي أزمة الحداثة الغربية حين أطلق مقولته الشهيرة: «إذا كان الله غير موجود، فكل شيء مباح». كان إيفان يرى أن الأخلاق دون مرجعية غيبية عليا تفقد إلزاميتها، وتتحول إلى مجرد عقود اجتماعية هشة يمكن نقضها متى ما تعارضت مع المصلحة الشخصية أو القوة المادية.
في المقابل، يطرح الفكر الإنساني العلماني المعاصر (كفلسفة جان جاك روسو أو إيمانويل كانط) أن الإنسان قادر على فعل الخير استناداً إلى "العقل العملي" أو "الضمير الإنساني" دون الحاجة إلى دافع ديني. كانط، على سبيل المثال، أسس للأخلاق عبر "الواجب المطلق"، لكنه في النهاية أدرك بعبقريته الفلسفية أن النظام الأخلاقي لا يمكن أن يكتمل عملياً إلا بافتراض وجود "إله عادل" يوازن بين الفضيلة والسعادة في نهاية المطاف.
الرؤية القرآنية ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام):
الإسلام، وفق مدرسة أهل البيت، يقدم إجابة في غاية الدقة والعمق الفلسفي لهذه الإشكالية، ترتكز على مبدأين أساسيين: الفطرة والحسن والقبح العقليين.
الإسلام يقر بأن الإنسان يمكنه أن يعرف الخير ويفعله دون أن يكون مؤمناً، لأن الله تعالى أودع في بنيته التكوينية بوصلة داخلية هي "الفطرة" و"العقل". العقل البشري يدرك حُسن العدل والصدق والإحسان، ويدرك قبح الظلم والكذب.
يقول الله تعالى في محكم كتابه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30).
وفي حديث جامع وعميق، يؤسس الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لهذه الثنائية المعرفية في وصيته لهشام بن الحكم قائلاً: «يا هشام، إنّ للهِ على النّاسِ حُجّتينِ: حُجّةً ظاهرةً، وحُجّةً باطنةً، فأمّا الظّاهرةُ فالرّسُلُ والأنبياءُ والأئمّةُ (عليهم السلام)، وأمّا الباطنةُ فالعقولُ» (الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 16، كتاب العقل والجهل).
إذاً، مصدر فعل الخير عند غير المؤمن هو هذه "الحجة الباطنة" (العقل والفطرة). ولكن، أين تكمن المشكلة؟
تكمن المشكلة في "الاستدامة" و"الغاية" والمقاومة عند المحن. فالعقل البشري والفطرة قد تلوثهما الأهواء والمصالح والبيئة، وحين يواجه الإنسان غير المؤمن تعارضاً حاداً بين مصلحته الشخصية القصوى وفعل الخير، فإن غياب الإيمان (الحجة الظاهرة والرقابة الإلهية) يجعل من السهل انهيار المنظومة الأخلاقية.
فضلاً عن ذلك، يناقش المفكرون الشيعة مسألة "قيمة العمل" أخروياً. الشهيد آية الله الشيخ مرتضى مطهري في كتابه القيم "العدل الإلهي" يطرح تحليلاً دقيقاً لأفعال الخير الصادرة من غير المؤمنين (مثل المخترعين والأطباء والمصلحين)، فيقول ما مضمونه: إن العمل الذي ينبع من دافع إنساني خالص وخدمة للبشرية لا يضيع عند الله، لأن الله هو العدل المطلق، وقد يجزيهم الله في الدنيا أو يخفف عنهم في الآخرة، لكن الوصول إلى المراتب الروحية العليا يتطلب "النية" المتصلة بالمطلق (الله). فالنية هي روح العمل، والعمل المحدود بالدنيا يعطي ثماراً دنيوية، والعمل المتصل بالحي الذي لا يموت يكتسب صفة الخلود.
ثانياً: هل الإنسان حر حقيقة في اختياراته؟
السؤال الثاني الذي عصفت به ريح الفلسفة عبر العصور هو إشكالية "الجبر والاختيار". إذا كان الخير والشر موجودين، فهل نحن حقاً أحرار في اختياراتنا أم أننا محكومون بحتميات بايلوجية (كما يرى السلوكيون مثل سكينر) أو حتميات تاريخية واجتماعية (كما يرى الماركسيون)؟ الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر ذهب إلى النقيض تماماً قائلاً: «الإنسان محكوم عليه بالحرية».
في التاريخ الإسلامي، حدث انقسام كلامي حاد حول هذه المسألة:
1. الجبرية (الأشاعرة وغيرهم): سلبوا الإنسان حريته للحفاظ على "القدرة الإلهية المطلقة"، فرأوا أن الله هو الفاعل الوحيد والإنسان مجرد وعاء تمر عبره الأفعال.
2. المفوضة (المعتزلة): سلبوا الله تأثيره في أفعال العباد للحفاظ على "العدل الإلهي"، فقالوا إن الله خلق الإنسان وفوّض إليه الأمر كله واستقال من إدارة أفعاله.
المنهج الوسطي: "أمر بين أمرين"
هنا تجلى العمق الإلهي لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، التي لم تقبل بعبثية التفويض، ولا بظلم الجبرية. القرآن الكريم يؤسس لمبدأ الحرية المسؤولة بشكل قاطع:
يقول تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 3).
ويقول في آية أخرى مبيّناً الإحاطة الإلهية: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (الإنسان: 30).
ولفك هذا الاشتباك الفلسفي، أطلق الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قاعدته الذهبية التي أصبحت تاجاً في علم الكلام الشيعي: «لا جَبْرَ ولا تَفْويضَ، ولكنْ أمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ».
قيل له: وما أمر بين أمرين؟ قال: «مَثَلُ ذلك رجلٌ رأيتَهُ على معصيةٍ فنهيْتَهُ فلم يَنْتَهِ، فتركتَهُ ففعلَ المعصيةَ، فليس حيثُ لم يقبلْ منكَ فتركتَهُ، كنتَ أنتَ الذي أمرتَهُ بالمعصيةِ» (الشيخ الصدوق، التوحيد، باب نفي الجبر والتفويض، ص 361، ح 7).
ما يعنيه الإمام (عليه السلام) هو أن الحرية الإنسانية تعمل ضمن إطار السنن والقوانين التي وضعها الله. الله أعطانا طاقة الفعل (القدرة)، والإرادة، والعقل، ومكّننا من الاختيار، لكنه لم يخرجنا من سلطانه. نحن أحرار، ولكن حريتنا مستمدة في كل لحظة من الفيض الإلهي.
الفيلسوف والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره "الميزان" يناقش هذه المسألة بعمق اجتماعي وفلسفي، موضحاً أن بنية المجتمع البشري ذاتها، والقوانين، وأنظمة العقاب والمكافأة، والأخلاق، والتربية؛ كلها تنهدم من الأساس إذا نفينا "الاختيار" عن الإنسان. فكيف يحاسب الله أو حتى المجتمع إنساناً مسلوب الإرادة؟ إن الإحساس الفطري بالاختيار هو أوضح دليل على وجوده، وهذا الإحساس ليس وهماً كما يدعي الماديون الجدد، بل هو جوهر "الأمانة" التي حملها الإنسان.
كما يقول العلامة الطباطبائي: «إن الإنسان يعلم من نفسه وجداناً أنه فاعل مختار في أفعاله الإرادية... ولو كان مجبراً فيها لم يكن للوم والعقاب والتأديب والتربية معنى» (تفسير الميزان).
التوليفة الفلسفية: الحرية كشرط والخير كغاية
بالعودة إلى رائعة "الإخوة كارامازوف"، فإن الرواية تصل بالقارئ إلى استنتاج حيوي: لا يمكن للإنسان أن يكون خيراً حقاً إلا إذا كان حراً، ولا يمكن للحرية أن تثمر حضارة وسلاماً داخلياً إلا إذا كانت متصلة بالإيمان. الحرية بلا إيمان تؤدي إلى فوضى تدميرية وإلى تمحور الإنسان حول ذاته وإلغاء الآخر (العدمية)، والإيمان بلا حرية (كما تصوره الحركات المتطرفة والجبرية) يحول الإنسان إلى آلة بلا روح، ويفرغ التكليف الشرعي من محتواه الأخلاقي.
إن التكامل بين "الإيمان" و"الأخلاق" و"الحرية" هو الذي يصنع إنساناً متزناً قادراً على خلافة الله في الأرض. فالإنسان الحر يختار الخير لأنه يراه تجلياً للجمال الإلهي، لا خوفاً من عصا غليظة، ولا طمعاً في منفعة مادية زائلة.
إن دراسة هذه المفاهيم، لا سيما في ضوء تراث النبوة وعلوم أهل البيت التي وازنت بين العقل والنقل، لا تفكك الشبهات الوجودية التي تضخها الفلسفات المادية فحسب، بل تقدم للإنسانية المعاصرة خارطة طريق للخروج من أزمتها الروحية الخانقة، وتعيد بناء الإنسان على أسس متينة من الحرية المسؤولة والخير المستمد من ينبوع السماء الطاهر.